قراءة سليمان جمعة ل نص”صبا الخريف ”
للاديب اليمني عبدالله عبدالإله باسلامه
______________
__صبا الخريف.
على الضوء الهزيل للشمعة الوحيدة تلالات محتويات غرفتي الصغيرة، وأخذت ظلالها تتراقص كأنها تشاطرني فرحتي، فيما أتأملها مبهورا غير مصدق بأنني تحت سقفها الخشبي المنخفض، وبين جدرانها الجص غير المستوية التي استحال بياضها إلى الصفار، وأجلس على فراشي القديم الذي تنبعث منه ومن الوسائد الرثة رائحة عطنة، وصندوق كتبي، وأوراقي، وأدواتي التي علاها الغبار… أخذت كل مفردة تجوس في تلافيف ذاكرتي فتنتشي روحي، وتزيدني اللهفة توترا وأنا أستوثق – ربما للمرة العاشرة – من أن علبة البن بمتناول يدي، وقنينة الماء بجانب عين النار مع السكر والملعقة…وبأن أقل من بضع دقائق هي المتبقية على موعد أذان الفجر .
أشعلت سيجارة على عجل، متحسسا مكاني المفضل جوار النافذة، لازلت أشعر بدفئه حين كنت أنتظرها كل صباح، وأنا أرتشف القهوة في الفنجان الخزفي بأناءة، وأنفخ برفق رغوته التي أعشقها، مع انسكاب أشعة الشمس الذهبية على جدار منزلها، ورشفة إثر رشفة لأسكب فنجانا تانيا، وثالثا حتى تفتح نافذتها الخشبية.
تمد يدها الرقيقة لتثبت المصراعين بخطافيه الحديدين، وقبل أن تسدل الستارة الشبيهة بغلالة بيضاء مطرزة بوردات سماوية صغيرة، يفتر ثغرها كنصفي فراولة طازجة، تتبعها بنظرة خاطفة من عينين عسليتين ساحرتين تشعان بريقا يحقن أوردتي بالسعادة، فتنبت حولي غويبة يانعة من الورد تظل عطرة بقية اليوم.
زقاق بعرض ثلاثة أمتار وأربع بنان يفصل بين بيتينا، ولغرفتها نافذة أخرى غير التي تفضي إلي؛ تسمح بتسرب الضوء داخلها فيكشف لي قوامها الفاتن، وخطواتها الراقصة أثناء تجوالها كالنحلة؛ تطوي البطانيات، وترفع المخدات، وترتب ملاية الوسائد، وتكنس الأرضية وهي تترنم بصوتها الرقيق ذو البحة اللطيفة :
(جو*عندنا والناس..جو عندنا والنااااااس..
والناس يزوروا الناس.
جو عندنا فوق ال..جو عندنا فوق ااااال..
فوق العيون والراس….
ترلللللممممم.
أصيخ السمع متلذذا بعذوبة صوتها المذاب في البن، فيما يتغلغل غزلها في جوانحي، وتغمرني رسائلها الصريحة بشعور مختلط بالزهو والشوق والقلق المتنامي؛ فما بيني وبينها لم يعد يخفى على أمي التي كانت ترمقني بغضب وتنهرني موبخة: وماذا عن نجاحك الكبير؟ ومنحتك الدراسية؟ أمامك مستقبل عريض سينسيك حب مرحلة المراهقة هذه، وأما هي فحتى لو لم تنساها ستنساك هي.
ولم يطل بي المقام حتى سافرت للدراسة، وكم كانت الدول والمدن التي زرتها جميلة، تنقلت بين فنادق، وشقق فاخرة، وسكنت في ناطحات سحاب، وسرت في شوارع عريضة نظيفة لا تعرف الظلام لكنها لم تك تملك دفء زقاقنا ذي الثلاثة أمتار وأربع بنان، ولا لذة وسكينة بيتنا الطيني، وحارتنا القديمة، وبُن بلدي.. آه من البُن اليمني الأصيل الذي لم يستطع أي مذاق في الدنيا ان يغريني، أو تفطمني عنه السنون الطوال.
حتى الشقراء ذات العينان الزرقاوتان التي تزوجتها كانت تدرك بأنني أفتقد شيئا ما أكثر من مجرد الحنين إلى الأهل، كنت أرى الحيرة، و ألمح الغيرة تتجلى في عينيها، لا تلبث أن تضمني مشفقة، متمنية اقتراب موعد عودتي حتى ترى بنفسها هذا الكوكب الذي أهيم به.
وحين عدت.. عدت محملا بالشهادات، والألقاب، وبصحبة زوجة وطفلين، ورأس تقاسمه الشيب والصلع، وبين الجوانح قلبا فتيا يرقص طربا مذ وطأت أرض المطار، واحتضنت الأهل والأحباب، رغم ذلك ظللت أسابق السيارة شوقا إلى بيتنا الذي صار مهجورا بعد انتقال العائلة إلى بيت جديد، لكني حرصت طوال غربتي أن يصان، ويبقى نظيفا ماثلا كما هو خاصة غرفتي، وكل أثاثي البسيط، كما كنت أتتبع أخبارها وأتقصى أحوالها، في سياق الدردشة حول الأهل والجيران مع إخوتي وأمي فعلمت أنها تزوجت مكرهة بعد سفري بسنوات، ثم أنها تطلقت، وعادت إلى بيتها.
ورغم وصولي إلى مدينتي منتصف ليلة صيفية غزيرة المطر، إلا أنني تركت كل شيء في بيت العائلة وأصررت على قضاء بقية الليل وحدي في بيتنا القديم، ترجلت من السيارة أحمل علبة البن، وأدوات القهوة، وأنا أتلقف بشوق قطرات الماء الكبيرة على جسدي، وأخوض مستمتعا وحولا غطت الأزقة.
وعلى ضوء الشمعة أخذت أطوف أرجاء البيت حجرة حجرة حتى انتهيت إلى مكاني في غرفتي العزيزة.التقطت نفسا ثانيا من السيحارة متطلعا إلى ساعتي، شعرت كأن الوقت قد توقف فجأة وأنني ما عدت أطيق صبرا طلوع النهار؛ قمت وصنعت فنجاني المفضل لتأخذني رائحة البن في غيبوبة من النشوة، وأنفخ رغوة البن التي تتزاحم على حافة الفنجان الخزفي، كما تتزاحم أشواقي على حافة النافذة، أنصت لصوت تدفق الماء من المزاريب، وخريره في السواقي، شعرت بإختلاجات قلبي وأنا أتخيل لحظة سماع صوت خطاف نافذتها ينزاح برفق، وبيدها تدفع المصراعين إلى الخارج، لا شك أن قوامها الفاتن سيكون قد اختفى تحت طيات بطنها، وسيكون الزمان قد أجرم في حقها، وستكون الأيام قد عكرت صفو وجهها، ببعض التجاعيد والهالات حول عينينيها اللتان ستشعان ببريقهما الساحر، وهي تحدق بي دهشة، متفاجئة، ستنفرج شفتاها عن إبتسامتها الجميلة، وينعقد لسانها ربما لدقيقة كاملة قبل أن تنحل لتحدثني وأحدثها حديثا طويلا ما جئت إلا لتسمعني وأسمعها.
سأعترف لها بأنني لم أنساها كما لم تنساني، وأنها كانت مركز الجمال في حياتي، وأن كل ذكرى جميلة إما صادرة عنها أو على صلة بها، سأبوح لها بكل شيء و.. لكن..كن كيف سأبدأ الكلام ؟
أخذت نفسا ثالثا عميقا من السيجارة وحبسته في صدري؛ لأول مرة أحار في أمري، كيف سأبدأ الكلام؟
أطلقت الدخان دفعة واحدة وأنا أضحك ساخرا من نفسي..أنا المفوه الفصيح الذي يترأس المؤتمرات، ويدير النقاشات، ويعقد الاجتماعات والمقابلات دون أن يجف له ريق، أو يتعثر عليه لسان يحتار هل يبدأ بالكلام أم بالسلام…؟
مع نفس الدخان الرابع قررت مبادرتها بأغنية لأيوب طارش* :
مهما يلوعني الحنين..
شاصبر وراعي لك سنين…
واعطيك كل العمر..
ما دامك على عهدك أمين…
ستجهش بالبكاء.. وربما ستشاركني الغناء بصوتها الذي أحن إليه، وربما ست…
إنتزعني صوت أذان الفجر لأنهض بحركة رياضية سمعت لها طرقعة مفاصلي التي فقدت مرونتها منذ زمن، صليت الفجر على عجل، قبل أن أعود إلى مكاني لأصنع فنجانا جديدا، وأفتح النافذة مطفئا الشمعة والسيجارة، ورحت أعب نسيم الفجر البارد الممزوج بعبق الطين، ورائحة المطر، محدقا في ظلام بدأ فيض الضوء ينقض غزله، ويبدد عتمته شيئا فشيئا لأجد نفسي أمام حجارة صلدة سدت النافذة .
=====================
* أغنية يمنية شعبية .
*جو : كلمة ترحيبية بمعنى تعالوا .
* أيوب طارش فنان يمني .
=====================
عبدالله عبدالإله باسلامه
ذمار / اليمن ._________
//القراءة//
الاديب عبدالله عبدالاله باسلامة
له اسلوبه الخاص في استنطاق تفاصيل المكان ليعبر بها عن انفعالات انسانية قد لا نستطيع البوح مباشرة فالكنايات امهر في القول ..وهذا الاسلوب يحتاج الى امتلاك لمفردات شعبية وسهلة اعتادها من يسكن تلك البيئة اذ هي صوت هويته..وهذا ما ظهر جليا في نص عبدالله باسلامة..
فالبنى المعرفية التي شكلت النص
هي وصفية للمكان بظواهرية فائضة
اي جعل تضاريس المكان والوانها هي لواعج النفس وتمنياتها ..الذوبان في اشيائه ..في الحركات التي تشاركه فيها النفس العاشقة ..غرفته وشباك الحبيبة .. هوية تتعالى على الزخرف
هوية الحب كيف يجعل من المكان جنة لا تقارن بكل زخارف الارص
اابنية الاخرى ..الام
وقد نبهته الى ان عمره لا يستقر على حب مؤقت ..سينساه ..
البنية الثالثة
بيئة الدراسة والعمر والمكان الآخر والزوجة والولاد ..الزوجة حاولت اذ شعرت ان احساسا غريبا يسكنه ..ان تكشف ذلك بمنحه شعورا غامرا ..فلم تفلح لان اليمنية كما البن عنده كما طلوع الفجر وصداح الاذان. ..المكان الجد.يد لم يفلح ..العمر المتقدم لم يفلح ..الشهادات لم تفلح ..
عاد ..ورغم ان اهله هجروا اابيت القديم ..دلف اليه ليقضي الليل الماطر هناك مع قهوته اليمنية ..ومع طلوع فجره ..تلك الهوية التي ثبتها الحب كهوية له .. استعاد فقرأ كل الامنيات ..لكي يطلع فجرها من شباكها ويسمع اغنيتها .. الشباك اصم قد يد بصخر ..ووراءه كانت هي العائدة من زواج فاشل ..
هذه البنى المعرفية التي تحاول تشكيل هوية متعددة الثقافات ..او بروحية اخرى ..فشلت ..
لان الهوية الاساسية هي انتاج الحب والمكان والارث كالبن اليمني ورائحة الطين في ليلة ماطرة واغاني تعيد حركة الحبيب الى المكان ..
نص يتمتع بالتفاصيل التي تشعرك انك تعيش واقعا ..حقيقيا ليس متخيلا
الايهام بالواقع ..
لماذا انتصرت البنية المعرفية التي كانت في نضارة العمر قد انرسمت على تضاريس مكان عتيق ..فجعلته هيكلا يزار ولا ينسى ..ولم يغطه اي بهرج جديد..؟
النفس تعيش هويتها التي تربت عليها بروح الهوى ..والتراب وانفاس الام ..والحبيبة ..
التفاصيل تكشف ذاتها لتقول إنها ونفسك واحد.
سليمان جمعة.
٢٠٢٣
Discussion about this post