سعيد فارس السعيد
لبنان ليس بلدًا عابرًا في الجغرافيا ولا تفصيلًا صغيرًا في تاريخ الشرق.
هذا البلد الذي يجتمع فيه المسيحي والمسلم، الشيعي والسني، الماروني والدرزي، هو المرآة الأخيرة لروح الشرق، وصندوق أسراره، وملاذ حكمته. لذلك لم تكن زيارة أي بابا إلى لبنان يومًا حدثًا عاديًا… بل علامة مفصلية تحمل دلالات دينية وروحية وسياسية عميقة.
وكم هو جميل أن يُكتب هذا المقال بلسان رجل عاش نصف عمره في بيئة شيعية إسلامية في الشمال — متأثرًا بعدالة الإمام علي وشجاعته وتواضعه وكرامته، وبإصلاح الحسين ودفاعه عن الحق —
ونصفه الآخر في حضن الروح المارونية التي خطّها مار مارون، ذاك الناسك الذي كان يداوي مرضاه بالكلمة الطيبة قبل أي دواء.
هذا المزيج ليس سيرة شخصية فحسب، بل نموذج حيّ لِما يجب أن يكون عليه الشرق الجديد.
زيارة البابا…
وإعلان قيمة لبنان الروحية
زيارة البابا إلى لبنان ليست مجاملة دولة لدولة، بل هي تأكيد دولي ورسولي على أن هذا البلد يحمل رسالة أكبر من مساحته وحدوده:
رسالة التعايش
رسالة الحرية
رسالة صون الكرامة الإنسانية
رسالة العيش المشترك الذي يشبه المعجزة.
وكل بابا يأتي إلى لبنان يحمل معه دعوة واضحة:
لا تتركوا لبنان يسقط…
لأن سقوطه سقوطٌ للشرق كله.
الدلالات الدينية والروحية:
لبنان مركز المعنى
في لحظة اختناق روحي وسياسي يعيشها الشرق، تأتي الزيارة كإعلان جديد بأن لبنان ما زال:نقطة التقاء بين القيم السماوية،
وحاضنًا لرسالة المحبة،
وجسرًا بين المسيحية والإسلام،
وملاذًا لحرية الإنسان وكرامته.
لكن الأهم هو ما يلي:
السلام،
جوهر الدين الواحد ووصية الأنبياء جميعًا
السلام ليس خيارًا سياسيًا،
ولا شعارًا إعلاميًا،
بل هو حقيقة دينية واحدة حملها كل الأنبياء عبر التاريخ.
شرائعهم اختلفت، لكن جوهر رسالتهم لم يتغير:
السلام هو المحبة
السلام هو التكافل
السلام هو الإيثار
السلام هو أن يرى الإنسانُ أخاه الإنسانَ امتدادًا لروحه، لا تهديدًا لوجوده
وأي قراءة للدين خارج إطار السلام هي تشويه وانحراف واستغلال للدين من أجل السلطة.
هذا الشرق الذي عشتُ فيه — مسلمًا شيعيًّا بروح الإمام علي والحسين، ومسيحيًّا مارونيًّا بروح مار مارون — علّمني أن:
السلام قدرنا، وخلاصنا، وجوهر وحدتنا، وهو الحقيقة التي يشترك فيها المسلم والمسيحي واليهودي وكل أبناء التراب الإنساني الواحد.
الدلالات السياسية:
لبنان يحتاج حماية العالم…
ولكن على طريقته
زيارة البابا تحمل أيضًا رسالة سياسية مفادها:
أن لبنان يجب أن يبقى دولة الحرية لا دولة الميليشيا،
دولة القانون لا دولة الصفقات،
دولة التنوع لا دولة الإقصاء،
دولة الاعتدال لا دولة المحاور.
إن البابا — بصفته رمزًا عالميًا — يأتي ليقول للعالم:
لا يجوز ترك لبنان وحيدًا في وجه الانهيار.
ويقول للبنانيين:
وحدتكم هي خلاصكم، وكرامتكم هي قوتكم، وأنتم لستم شعبًا صغيرًا، بل شعب رسالة.
لبنان مركز الشرق الجديد
نعم…
لبنان الصغير بمساحته،
الكبير برسالته،
هو اليوم:
بداية الخريطة الجديدة للشرق،
وأول نقطة ضوء في منتصف هذا الظلام،
والدليل على أن التعددية ليست لعنة بل نعمة،
وأن الإنسان يمكن أن يكون فوق الانتماء، لا أسيرًا له.
زيارة البابا ليست فقط حدثًا دينيًا، بل هي تثبيت لدور لبنان في ولادة شرق جديد… شرق يقوم على:
الحرية
المحبة
السلام
الكرامة
العدالة الاجتماعية
شراكة المكونات
ورفض ثقافة الكراهية والطائفية
الخاتمة:
شرق يولد من تحت الرماد
لبنان، رغم جراحه، هو آخر شعلة روحية في هذا الشرق.
وإذا نهض لبنان، سينهض معه الشرق كله…
شرقٌ يولد لا من الطوائف بل من الإنسان،
لا من الميليشيات بل من العدالة،
لا من الكراهية بل من المحبة،
لا من الخراب بل من الكلمة الطيبة التي علّمنا إياها مار مارون،
ولا من الاستسلام بل من شجاعة علي والحسين.
وهذه هي رسالتنا…
وهذا هو عهدنا…
وهذا ما ستثبته زيارة البابا القادمة:
أن الشرق ما زال قادرًا على أن ينهض…
وأن يولد من جديد.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”


















Discussion about this post