سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
مقدمة:
مرحلة ما قبل ردع العدوان
على مدى العامين الماضيين، شهدت سورية مرحلة حرجة، اتسمت بجمود عسكري محسوب وهدوء ميداني دقيق، ضبطته تفاهمات دولية غير معلنة. خلال هذه المرحلة، منعت روسيا بكل حزم أي هجوم بري من قبل جيش النظام أو القوى المرتبطة بإيران نحو إدلب، مراعيةً ضرورة عدم تفجير المشهد السوري قبل اكتمال التفاهمات الكبرى.
وفي الوقت نفسه، عملت تركيا وروسيا على إقناع إيران بـ إعادة تموضع قواتها تدريجيًا نحو دمشق، تمهيدًا لإعادة توزيع السيطرة ومنع أي صدام مباشر، وتهيئة الأرضية أمام تحوّل سياسي شامل.
حلب مقابل أوكرانيا
في خلفية هذه الترتيبات، كانت موسكو تمارس سياسة المقايضة الكبرى: تقديم مرونة في الملف السوري مقابل ضغط أمريكي على أوكرانيا للقبول بالشروط الروسية. هذه الصفقة بقيت ضمن “سلة التفاهمات الكبرى” بين واشنطن وموسكو وأنقرة وطهران، بدون إعلان رسمي، لكنها كانت عامل ضغط حاسم على جميع الأطراف.
—
غرفة العمليات الدولية: تفاهمات استراتيجية
قبل عملية ردع العدوان، اجتمعت الدول الفاعلة التالية:
تركيا
إيران
روسيا
الولايات المتحدة
قطر
المملكة العربية السعودية
الإمارات العربية المتحدة
وتواصلت هذه الأطراف مباشرة مع قائد عمليات ردع العدوان، مؤكدين أن العملية جزء من المسار الدولي للانتقال السلمي للسلطة في سورية، لا مجرد حركة عسكرية محلية.
التعهدات الدولية:
1. حماية الأمن الاجتماعي ومنع الانهيار.
2. ضمان أمن جميع المكونات الوطنية السورية.
3. الحفاظ على وحدة الأراضي ومنع أي مشاريع تقسيم.
4. منع عمليات الثأر والانتقام.
5. منع خطابات الكراهية والطائفية في الإعلام ووسائل التواصل.
6. حماية الأقليات الدينية وضمان مشاركتها في الدولة الجديدة.
7. الالتزام بتطبيق قرار مجلس الأمن الخاص بالانتقال السلمي للسلطة.
هذه التعهدات شكلت سقفًا استراتيجيًا وضمانًا دوليًا لمرحلة سورية الجديدة.
انسحاب القوى المرتبطة بإيران: الطريق نحو حلب
أظهرت المعلومات الميدانية أن الأيام السابقة لعملية ردع العدوان شهدت انسحابًا منسقًا للقوى العسكرية الإيرانية:
مدينة حلب نفسها
ريف حلب الجنوبي والشرقي
مجموعات المقاومة اللبنانية من الشمال والشمال الغربي والشمال الشرقي للحلب
> النقاط الاستخبارية الأساسية:
• تفريغ محيط حلب من القدرات العسكرية المعوقة للتحرك السياسي.
• إنهاء التداخل العسكري الإيراني في الشمال.
• فتح الطريق لتحرير حلب أو إدخالها في مسار الدولة الجديدة بدون إراقة دماء.
• تحقيق انسجام بين القرار العسكري والسياسي الدولي بمشاركة روسيا، تركيا، الولايات المتحدة، ودول الخليج.
حلب في قلب المعادلة الإقليمية
لم تعد حلب مجرد مدينة سورية، بل بوابة تغيير الشرق، تمتد تأثيراتها على:
إدلب
دمشق
الحدود التركية
الملف النووي الإيراني
الحرب الأوكرانية – الروسية
تحرير حلب و دمجها في الدولة الجديدة خطوة استراتيجية دولية وإقليمية، تؤثر مباشرة على مستقبل سورية والمنطقة بأسرها.
مرحلة ولادة سورية الجديدة
التحليل الاستخباراتي يشير إلى أن سورية تتجه نحو:
إعادة تشكيل السلطة
انتهاء مرحلة الأجهزة الأمنية القديمة
تراجع النفوذ الإيراني
تعزيز دور القوى الإقليمية الضامنة
بناء دولة مدنية تشاركية تشمل كل المكونات
حلب تبقى العنوان الأبرز، حيث ستحدد شكل الدولة الجديدة ومستوى تأثيرها الإقليمي.
خاتمة القول :
سورية اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، لا عودة فيها إلى الوراء.
ما قبل عملية ردع العدوان لم يكن مجرد ترتيبات عسكرية، بل تأسيسًا لشرق يولد من تحت الرماد، شرق يقوم على العدالة والتهدئة، ويمنع الفوضى ويحمي مستقبل الشعوب.
والقادم — رغم صعوبته — يحمل إمكانية ولادة سورية جديدة:
عادلة، آمنة، مدنية، تشاركية… وسورية منارة الشرق ولؤلؤته كما كانت عبر التاريخ.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”


















Discussion about this post