بقلم / عامر جاسم العيداني
في العراق لم يعد حب السلطة مقتصرا على السياسيين فقط بل تسرب إلى عمق الدوائر الحكومية حتى أصبح بعض المدراء العامين أشبه بـ”حكام دائمين” لمؤسساتهم لا يزاحون إلا بالموت أو التقاعد ، ان هذه الظاهرة التي يمكن تسميتها بـ”الدكتاتورية الوظيفية” هي اليوم أخطر أوجه الفساد الإداري وأحد أهم أسباب شلل مؤسسات الدولة.
لكي نتخلص من هذا الترهل القاتل لا بد من تحديد مدة إشغال المناصب التنفيذية من رئيس مجلس الوزراء إلى المدير العام بخمس سنوات فقط غير قابلة للتجديد ،
خمس سنوات كافية لتقديم منجز واضح وكافية كذلك لكشف من يعمل بصدق ومن يختبئ خلف الشعارات وبعد ذلك يغادر المسؤول موقعه بكرامة ويفسح المجال لدماء جديدة وأفكار جديدة.
هذا النظام إن طبق بصرامة سيقضي على عقلية “الكرسي الأبدي” التي حولت الدولة إلى طبقات من الموظفين المتسلطين حيث لا يحاسب أحد ولا يغادر أحد.
ومن غير المعقول أن يتولى المناصب التنفيذية الكبرى من لا يملك الحد الأدنى من المؤهلات العلمية لذلك يجب أن تكون الشهادة المطلوبة للمنصب التنفيذي الأول ماجستير فما فوق لأن الدولة في القرن الحادي والعشرين لا تدار بالعلاقات أو الولاءات بل بالعلم والإدارة الحديثة والرؤية الاستراتيجية.
إضافة إلى ذلك لا بد أن يكون شاغل المنصب قد أمضى خدمة وظيفية لا تقل عن 15 عامًا ليجمع بين التجربة العملية والمعرفة العلمية فالذي لم يعش تفاصيل الوظيفة العامة ولا يعرف تحدياتها لا يمكنه إدارة مؤسسة أو وزارة بحجم الدولة العراقية.
لقد تحوّل حب المنصب في العراق إلى مرض مزمن يدفع البعض إلى التنازل عن المبادئ وممارسة كل أشكال الفساد للحفاظ على الكرسي ، ان المسؤول عندنا لا يرى نفسه موظفا مؤقتا لخدمة الناس بل “صاحب ملك”، يعين من يشاء ويقصي من يشاء وكأن المنصب حق وراثي.
إن إنهاء التجديد والتدوير في المناصب التنفيذية سيضع حدا لهذا المرض وسيعيد هيبة الوظيفة العامة باعتبارها تكليفا وطنيا لا مشروعًا شخصيًا.
ما يجري اليوم في بعض الوزارات والهيئات العراقية يثبت أن النظام الإداري فشل في الفصل بين الوظيفة العامة والمصالح الشخصية فقد أصبحت الوزارات “مزارع حزبية” والمديريات “ضيعات عائلية”، تدار بالمجاملة والولاء لا بالكفاءة.
ان تحديد مدة المنصب بخمس سنوات واشتراط المؤهل العلمي والخبرة الطويلة هو الطريق الوحيد لبناء دولة مؤسسات حقيقية لا دولة أشخاص.
آن الأوان لسن قانون جديد يعيد الانضباط إلى الجهاز التنفيذي العراقي قانون يحدد مدة الخدمة العليا بخمس سنوات فقط ويمنع تجديدها تحت أي ذريعة ويشترط أن يكون شاغل المنصب حاصلًا على شهادة عليا ويمتلك خدمة وظيفية لا تقل عن 15 عامًا ويمكن ان يرشح للمنصب مرة اخرى بعد مرور دورة كاملة خاصة لمنصب رئيس مجلس الوزراء .
بهذا فقط نكسر سلاسل الدكتاتوريات الوظيفية ونعيد للدولة هيبتها ولمواطنها الثقة بأن المسؤول خادم لا سيد ومؤقت لا أبدي.


















Discussion about this post