كتب جليل هاشم البكاء
في كل موسم مطير، تتجدد المفارقة المؤلمة في العراق:
سماءٌ سخية، وأرضٌ عطشى، ودولةٌ تتقن تبرير الفشل أكثر مما تتقن إدارة النعمة. فبينما تنهمر الأمطار الغزيرة على عموم البلاد، تتحول هذه النعمة الإلهية إلى سيول مدمرة في المدن، وإلى مياه مهدورة في الصحارى، ثم لا تلبث أن تُنسى، ليُعاد تشغيل الأسطوانة ذاتها: تركيا قطعت المياه عن العراق.
هذه العبارة، وإن لم تخلُ من بُعدٍ سياسي واقعي، تحولت في الخطاب الرسمي والشعبي إلى غطاء جاهز للجهل الإداري، والتقصير الفني، والفساد المزمن الذي سبق عام 2003 واستمر بعده بأشكال أكثر تعقيدًا.
نعمة تُهدر بالأرقام لا بالشعارات
تشير التقديرات الفنية إلى أن العراق قد يستقبل في فترات الأمطار الغزيرة نحو 45 مترًا مكعبًا من المياه في الثانية.
ولكي نفهم حجم هذه النعمة بلغة الأرقام:
في الدقيقة: 2,700 م³
في الساعة: 162,000 م³
في اليوم الواحد: نحو 3,888,000 م³
أي ما يقارب 4 ملايين متر مكعب يوميًا.
هذه الكمية وحدها:
تكفي لتزويد أكثر من 20 مدينة كبيرة بمياه الشرب ليوم كامل.
أو لري عشرات آلاف الهكتارات الزراعية.
أو لإعادة تغذية الخزانات الجوفية التي نضبت بسبب سوء الإدارة.
ومع ذلك، فإن أغلب هذه المياه:
تُصرَّف بلا تخزين،
أو تتحول إلى فيضانات داخل المدن،
أو تُهدر في الصحراء والبحر.
من البر إلى السماء… ومن التخطيط إلى التبرير
صحيح أن العراق دولة مصب، وأن سياسات دول المنبع تؤثر في حصته من مياه الأنهار، لكن الدول الرشيدة تُعِدّ خططها على أساس أسوأ الاحتمالات، لا على حسن نية الجيران.
إن الاعتماد شبه الكلي على دجلة والفرات، مع إهمال:
حصاد مياه الأمطار،
إنشاء الخزانات المتوسطة والصغيرة،
تطوير شبكات تصريف ذكية،
واستثمار المنخفضات الطبيعية،
هو فشل وطني لا يمكن تحميله للخارج.
فالسماء لم تُغلق، والمطر لم يُمنع، لكن العقول التي تُدير، أو يفترض أن تُدير، بقيت مغلقة.
قبل 2003… وبعده
لم يكن العراق قبل 2003 نموذجًا في الإدارة المائية الحديثة، لكنه بعد 2003:
أنفق مليارات الدولارات،
واستحدث وزارات وهيئات،
ووقّع عقودًا واستشارات،
ومع ذلك:
لم يُبنَ نظام وطني لحصاد مياه الأمطار،
لم تُنشأ شبكة خزانات استراتيجية داخلية،
لم يُربط التخطيط المائي بالأمن الغذائي.
النتيجة؟
الفساد ابتلع الأموال،
والفشل ابتلع الفرص،
ثم جاء الخطاب السياسي ليلقي اللوم على تركيا بوصفه أسهل الطرق للهروب من المحاسبة.
الجهل حين يتحول إلى سياسة
إن اختزال أزمة المياه العراقية بدولة جارة واحدة هو:
تبسيط مخلّ،
وجهل فني،
وتضليل للرأي العام …
فالدول التي تحترم شعوبها لا تنتظر الماء من الخارج فقط، بل:
تخزّن ما يسقط من السماء،
وتدير السيول بدل أن تخافها،
وتحول المطر من خطر إلى رصيد سيادي.
الخلاصة … إذا مُنِعَ العراق من البرّ،
فلم يُمنَع من السماء.
لكن ما مُنِع حقًا هو: التخطيط،
والمحاسبة،
والإرادة النظيفة.
وما لم يتحول المطر في العقل العراقي الرسمي من مشكلة موسمية إلى مشروع وطني،
فسيبقى العراق بلد الأنهار…
الذي يموت عطشًا.
جليل هاشم البكاء
* الحسابات الفنية مأخوذة من مواقع مراكز الرصد …


















Discussion about this post