كتب رياض الفرطوسي
لم يعد التطرّف يقتحم المجتمعات كما كان يفعل في السابق، صار أكثر تهذيباً في مظهره، وأشدّ فتكاً في أثره. لم يعد يصرخ في الساحات ولا يتكئ على الخطب الحماسية، بل يجلس بهدوء خلف الشاشات، يراقب، يحلّل، ويتعلّم. إنّه تطرّف بلا ضجيج، يعمل بمنطق البرمجيات، لا بمنطق الشعارات.
في هذا العصر، لا تُخاض المعارك الكبرى بالسلاح وحده، بل بالمعنى. ومن يربح المعنى، يربح العقول قبل أن يربح الميادين. هنا بالضبط دخلت الخوارزميات إلى قلب اللعبة. فهي لا تصنع المحتوى فحسب، بل تصنع المسار الذي يصل به المحتوى إلى الوعي، تحدّد ما نراه، ومتى نراه، وبأي سياق عاطفي نستقبله.
التطرّف الحديث فهم هذه الحقيقة مبكراً. أدرك أن الإقناع لم يعد خطبة تُلقى، بل تجربة تُعاش. لذلك انتقل من خطاب التعبئة إلى هندسة الإدراك. لم يعد يطلب منك أن تصدّقه، بل يدفعك، خطوة خطوة، إلى أن تصل إلى استنتاجاته وكأنها اكتشافك الشخصي. وهنا تكمن الخطورة: حين يتحوّل التطرّف من فكرة تُناقش إلى قناعة تبدو ذاتية.
الخوارزميات، بطبيعتها، لا تبحث عن الحقيقة، بل عن التفاعل. وما يثير الخوف، أو الغضب، أو الشعور بالانتماء، يتفوّق دائماً في هذا السباق. في هذه البيئة، يجد الخطاب المتطرّف أرضاً خصبة. فهو يجيد اللعب على الحواف العاطفية، ويعرف كيف يوسّع الشقوق الصغيرة في الوعي الجمعي حتى تتحوّل إلى هوّات عميقة من الاستقطاب.
ومع صعود تقنيات التزييف العميق، لم تعد المشكلة في الكذبة، بل في اهتزاز الثقة نفسها. حين تصبح الصورة قابلة للتلفيق، والصوت قابلًا للاستنساخ، يدخل العقل الجمعي في حالة إنهاك. في هذا الإرهاق، لا ينتصر الخطاب الأكثر صدقاً، بل الخطاب الأكثر قدرة على زرع الشك. والتطرّف بارع في الاستثمار في هذا الفراغ.
الأخطر أن التطرّف لم يعد ينتظر اللحظة المناسبة، بل يصنعها. يراقب النقاشات الساخنة، يتابع الأزمات، يقيس ردود الفعل، ثم يتدخّل في التوقيت الأمثل. إنّه تطرّف يتعلّم من أخطائه، يعدّل لغته، ويغيّر أقنعته باستمرار. كيان مرن، سريع، لا يمكن اصطياده بالأدوات البطيئة.
في المقابل، ما تزال كثير من المجتمعات تتعامل مع الظاهرة بعقلية الأمس. نطارد المحتوى بعد انتشاره، ونُدين الخطاب بعد أن يترسّخ. ننسى أن المشكلة لم تعد في الرسالة وحدها، بل في الطريق التي تسلكها الرسالة إلى العقول. معركة الوعي لا تُكسب بالمنع وحده، بل بإعادة بناء المعنى.
معركة الوعي تعني أولًا الاعتراف بأن الذكاء الاصطناعي ليس محايداً بالكامل. هو يعكس القيم التي نزرعها فيه، ويضخّم ما نكافئه عليه. فإذا كافأنا الاستقطاب، حصدنا تطرّفاً أكثر ذكاءً. وإذا كافأنا الحوار والمعنى، فتحنا نافذة أمل.
لكن المواجهة الحقيقية لا تكمن في التقنية وحدها. فالتطرّف، مهما تطوّرت أدواته، يظل ابن فراغ: فراغ في المعنى، في العدالة، في الشعور بالجدوى. لذلك، فإن أقوى ردّ عليه ليس خطاباً مضاداً غاضباً، بل سردية إنسانية بديلة، تعيد للإنسان ثقته بذاته وبالعالم، وتمنحه شعورًا بالانتماء دون أن تطلب منه كراهية الآخر.
في النهاية، خوارزميات التطرّف ليست قدراً محتوماً، بل انعكاس لاختياراتنا. إمّا أن نترك الوعي يُدار بمنطق الإثارة والخوف، أو أن نستعيد زمام المعنى ونخوض معركتنا الحقيقية: معركة العقل، والهوية، والثقة. ففي زمن الخوارزميات، من لا يدافع عن وعيه… سيستيقظ يوماً ليجد أن أحداً آخر قد فكّر عنه.


















Discussion about this post