ليس كل أدبٍ ساخرٍ ضحكًا، وليس كل ضحكٍ سخرية.
في هذه المساحة الدقيقة، وقف حسيب كيالي طويلًا، ثابتًا، ومختلفًا. لم يكن كاتب نكتة، ولا صانع طرفة عابرة، بل كان عقلًا نقديًا حادًا اختار السخرية أداةً للفهم، لا للهروب، ووسيلةً لتشريح المجتمع لا لتجميله.
حسيب كيالي واحد من أولئك القلائل الذين جعلوا السخرية أدبًا كامل الشروط، لا هامشًا ولا زينة لغوية. كتب عن الإنسان السوري البسيط، عن تناقضاته، عن خوفه ودهائه، عن سلطته الصغيرة وعجزه الكبير، دون أن يرفع إصبعه خطابيًا، ودون أن ينزلق إلى الوعظ أو الشكوى. كان يضحك، لكن ضحكه كان مشبعًا بالمرارة والوعي.
ما ميّز كيالي أنه لم يسخر من “الآخر”، بل من البنية الذهنية والسلوكية التي نعيش داخلها جميعًا.
شخصياته ليست كاريكاتورية، بل مألوفة حد الإزعاج. نعرفها، نراها، وربما نرى أنفسنا فيها. وهنا تكمن خطورته الأدبية: هو لا يمنح القارئ مسافة آمنة، بل يورطه في النص.
في هذا السياق، يأتي كتابنا عن حسيب كيالي بوصفه عملًا تحليليًا ضروريًا، لا احتفائيًا سطحيًا.
الكتاب لا يكتفي بتوصيف تجربة كيالي أو سرد منجزه، بل يفكك مفهوم الأدب الساخر ذاته، ويعيد وضعه في مكانه الطبيعي كأحد أكثر أشكال التعبير جدية وتأثيرًا. يشرح كيف تتحول السخرية، عند كاتب حقيقي، إلى أداة وعي اجتماعي، وإلى مرآة تكشف ما نفضّل تجاهله.
أهمية هذا الكتاب أنه يعيد الاعتبار لأدب طالما أُسيء فهمه، ويضع حسيب كيالي في موقعه الصحيح: ليس ككاتب “خفيف”، بل كمفكر سردي استخدم الضحك ليقول ما لا يُقال. كما يفتح الباب أمام القارئ العام لاكتشاف كيالي من زاوية جديدة، تتجاوز الذكريات والانطباعات إلى الفهم والتحليل.
هذا الكتاب ليس موجّهًا للمتخصصين فقط، بل لكل قارئ يريد أن يفهم لماذا كان حسيب كيالي مهمًا، ولماذا لا يزال صالحًا للقراءة اليوم. لأن المجتمعات التي تفقد حسها الساخر، تفقد قدرتها على نقد ذاتها، وحسيب كيالي كان، في جوهره، تمرينًا دائمًا على هذا النقد.
قراءة هذا الكتاب ليست عودة إلى الماضي، بل استثمار ثقافي في فهم الحاضر.
حسين راغب الحسين


















Discussion about this post