كتب سعيد فارس السعيد
حين يصبح التحليل السياسي خيانة للوعي
للأسف الشديد، لم تعد مشكلة التحليل السياسي العربي في ضعف الخبرة أو شحّ المعلومات، بل في انهيار النزاهة الفكرية لدى عدد كبير من المحللين، الذين تخلّوا عن الواقعية السياسية، واستبدلوها بخطاب الولاء، والتبرير، والتقديس الأعمى.
كثيرون لا يحللون…
بل يبررون.
لا يقرأون الوقائع…
بل ينتقونها.
لا يخاطبون وعي الشعوب…
بل يخدّرونه.
يتكلمون من خلفية: سياسية ضيقة،
أو دينية مؤدلجة،
أو طائفية مريضة،
أو تبعية مباشرة لحاكم أو محور.
فيحوّلون التحليل السياسي إلى أداة تضليل جماعي،
ويقودون الناس إلى تصديق أكذوبة خطيرة:
(أن هناك حكّامًا لا يُخطئون،
وقادة فوق النقد،)
ومشاريع لا يجوز الاقتراب منها.
وهذا، في جوهره، اغتيال للعقل العام.
إن أخطر أشكال الاستبداد ليس ذاك الذي يقمع بالسلاح فقط،
بل ذاك الذي يُقنِع الناس بأن القمع حكمة،
وبأن الفشل بطولة،
وبأن الخراب “ضرورة تاريخية”.
وحين يُقدَّم الحاكم كرمز مقدّس،
وتُصوَّر الدولة كملكية خاصة،
وتُختزل الأوطان في شخص أو عائلة أو طائفة،
فنحن لا نعيش سياسة…
بل عبادة سياسية.
السلام الحقيقي لا يولد من الكذب
السلام لا يحتاج خطابات خشبية،
ولا مجاملات دبلوماسية كاذبة،
ولا تبرير الجرائم باسم “المصلحة”.
السلام يحتاج:
وضوحًا حازمًا،
صدقًا ساطعًا،
وتقديسًا مطلقًا لإنسانية الإنسان، وأمنه، وكرامته، وسعادته.
لا سلام:
مع تجهيل الشعوب
ولا مع تقديس الأشخاص
ولا مع تحريم النقد
ولا مع تحويل السياسة إلى طائفة،
أو الدين إلى سلاح
الواقعية السياسية الحقة تعني:
لا أحد فوق المساءلة
لا مشروع بلا ثمن أخلاقي
لا تحالف بلا محاسبة
ولا دولة تُبنى على الخوف والكذب وتكميم العقول
من يبرر الظلم ليس محللًا…
بل شريك فيه.
ومن يجمّل الفشل ليس وطنيًا… بل عدوّ للوعي.
ومن يخوّف الناس من الحقيقة،
لا يحمي الاستقرار…
بل يمهّد لانفجار أعنف.
ما نحتاجه اليوم
نحتاج محللين أحرارًا،
لا موظفين.
نحتاج خطابًا شجاعًا،
لا دعائيًا.
نحتاج من يقول للحاكم:
أخطأت.
وللشعب:
لك الحق أن تفهم وتسأل وتحاسب.
فالسياسة بلا أخلاق إجرام منظّم،
والسلام بلا عدالة استراحة بين حربين،
والتحليل بلا صدق خيانة فكرية مكتملة الأركان.
إن الشرق الذي نحلم به
لن يولد من تقديس الزعماء،
بل من احترام الإنسان.
ولن يولد من تزييف الوعي،
بل من الحقيقة…
مهما كانت قاسية.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.

















Discussion about this post