تدلّ مجمل تصريحات العهد الجديد في سورية ، بوضوح لا لبس فيه،
على أن سورية الجديدة تتجه نحو تبنّي نهج سياسي قائم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار أو أي دولة أخرى، باعتباره مبدأً سياديًا وأخلاقيًا في آنٍ معًا، وأحد الأسس الضرورية لبناء علاقات إقليمية متوازنة ومستقرة.
إن هذا التوجه لا يعكس فقط رغبة سورية في الخروج من دوائر الصراع والتجاذب، بل يعبّر عن إدراك عميق لحقيقة أن استقرار الدول لا يُبنى عبر التدخل المتبادل، بل عبر احترام السيادة الوطنية، والالتزام بالقانون الدولي، وتغليب منطق الدولة على منطق الفوضى.
وانطلاقًا من هذا المبدأ، يصبح من المشروع، بل ومن الواجب، أن يُقابل نهج عدم التدخل السوري بالتزام مماثل من قبل الدول المعنية، عبر عدم السماح لأي جهة بالتدخل في الشؤون الداخلية السورية، سواء أكان ذلك من قبل سوريين مقيمين على أراضيها، أو من قبل مواطني تلك الدول أنفسهم، تحت أي ذريعة سياسية أو إعلامية أو تنظيمية.
فالتدخل في الشأن الداخلي لأي دولة، مهما كانت وسيلته أو مبرراته، لا يُعدّ تعبيرًا عن حرية رأي أو تضامن سياسي، بل انتهاكًا صريحًا لمبدأ السيادة، وإسهامًا مباشرًا في زعزعة الاستقرار وإطالة أمد الأزمات.
والأهم من ذلك،
أن هذا الموقف لا يتعارض مع القوانين أو القيم الدستورية للدول الأخرى، بل ينسجم تمامًا مع دساتيرها وأنظمتها القانونية، التي تجرّم التدخل في شؤون الدول الأجنبية، وتمنع استخدام أراضيها أو منصاتها للإضرار بأمن دول أخرى أو استقرارها.
إن احترام هذا المبدأ المتبادل – عدم التدخل مقابل عدم التدخل – يشكّل حجر الأساس لأي نظام إقليمي سليم، ويعيد الاعتبار لمنطق الدولة والقانون، بعيدًا عن الفوضى السياسية، أو تصدير الأزمات، أو استغلال الجاليات والفضاءات المفتوحة لتحقيق أهداف تتناقض مع الاستقرار والسلم.
إن سورية الجديدة، وهي تعلن هذا النهج بوضوح، لا تطلب امتيازًا خاصًا، بل تطالب بتطبيق مبدأ دولي عام:
احترام السيادة، وعدم التدخل، وحماية الأمن المشترك.
وهو مبدأ إن تم الالتزام به بصدق ومسؤولية، فإنه لا يحمي سورية وحدها، بل يحمي المنطقة بأكملها من الانزلاق مجددًا إلى دوامات صراع لا رابح فيها لأحد .
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.


















Discussion about this post