تنويه منهجي
ينطلق هذا المقال من قراءة تحليلية واقعية وحيادية لطبيعة العلاقات الدولية، دون انحياز لأي قوة أو محور، ودون تبنّي أو تبرير سياسات أي دولة بعينها.
إن توصيف السلوك الدولي بلغة المصالح والالتزامات لا يهدف إلى إصدار أحكام قيمية، بل إلى الإسهام في فهم موضوعي يساعد على تعزيز الاستقرار، واحترام القانون الدولي، وحماية أمن الشعوب.
_منطق المصالح في العلاقات الدولية
تُظهر التجربة التاريخية والسياسية أن سلوك الدول، ولا سيما القوى الكبرى، يقوم في جوهره على حماية مصالحها الاستراتيجية وضمان استمراريتها، سواء عبر اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف، أو من خلال شراكات اقتصادية واستثمارية، ضمن الأطر القانونية والأنظمة المعمول بها في الدول المعنية، وبما يفترض أن يحقق مصالح متبادلة.
ولا يقوم هذا النهج، في أساسه، على معاداة الدول أو استهداف الشعوب، بل على إدارة المصالح في بيئات مستقرة وقابلة للتعاون. وعليه، فإن الدول التي تعتمد سياسات واضحة، وتحترم قواعد القانون الدولي والاقتصاد العالمي، وتوفّر أطرًا قانونية منظمة للتعاون والاستثمار، غالبًا ما تنجح في بناء علاقات متوازنة ومستقرة مع مختلف الفاعلين الدوليين.
_الخطاب السياسي بين الوعد والالتزام.
في إطار السياسة الواقعية، يبرز مبدأ أساسي لا غنى عنه في إدارة العلاقات الدولية، وهو أن الوعد غير المُنفَّذ لا يقل أثرًا سلبيًا عن التهديد غير المُنفَّذ. فكلاهما يؤدي إلى إضعاف مصداقية الخطاب السياسي، ويحوّل العلاقات الدولية من إدارة عقلانية للمصالح إلى تآكل في الثقة العامة، واستهانة غير مباشرة بأمن الشعوب واستقرارها.
إن الجهات الفاعلة التي تطلق وعودًا دون أطر زمنية واضحة أو آليات تنفيذ محددة، لا تؤسس لثقة مستدامة، بل تساهم في خلق توقعات غير واقعية. وبالمثل، فإن الإكثار من التهديدات دون ترجمتها إلى قرارات واضحة لا يعزز الردع، بل يُضعف هيبة القرار السياسي ويقلل من وزنه العملي.
مبدأ المسؤولية في السياسة الدولية
في السياسة المسؤولة، يظل الخيار الأكثر اتساقًا هو:
وعد مقترن بإرادة تنفيذ واضحة،
أو صمت سياسي أكثر نزاهة،
وتهديد لا يُطلق إلا إذا كان قابلًا للتنفيذ،
أو خطاب يخضع للمراجعة والمساءلة.
أما ما عدا ذلك، فيبقى ضمن إطار الخطاب الرمزي الذي لا يحمي السلم، ولا يمنع الصراع، بل قد يطيل أمد الأزمات ويُبقي المجتمعات في حالة قلق وعدم يقين.
أثر الخطاب غير المنضبط على السلم الدولي
إن تكرار الوعود المؤجَّلة أو التهديدات غير المحسومة يساهم في خلق بيئة دولية غير مستقرة، حيث:
تفقد الكلمات وزنها الردعي،
وتضعف مصداقية الالتزامات،
ويُستبدل الوضوح الاستراتيجي بإدارة غموض مقصود.
هذا النمط من الخطاب لا يمنع النزاعات، بل يراكمها بصمت، ويجعل كلفة انفجارها المحتمل أعلى على المستويين الإنساني والسياسي.
البعد الإنساني والأخلاقي للوضوح السياسي
في نهاية المطاف، لا تتحمل النخب السياسية أو مراكز القرار وحدها تبعات هذا السلوك الخطابي المتذبذب، بل تتحملها الشعوب التي تعيش في ظل الخوف، وعدم اليقين، وتقلّب السياسات. ومن هنا، يصبح الوضوح السياسي ليس خيارًا تقنيًا فحسب، بل واجبًا أخلاقيًا، ويغدو الصدق في الخطاب شرطًا أساسيًا لاحترام إنسانية الإنسان وحقه في الأمن والاستقرار والسعادة.
خلاصة القول :
إن المصالح العليا للدول، والسلام المستدام، لا يُبنيان على الوعود الفضفاضة، ولا على التهديدات الرمزية، ولا على ازدواجية الخطاب بين العلن والخفاء، بل على:
وضوح حازم،
وصدق قابل للمساءلة،
ومواءمة حقيقية بين الكلمة والفعل.
ففي العلاقات الدولية، كما في القيم الإنسانية،
الكلمة التي لا تتحول إلى فعل تُضعف الثقة،
والتهديد الذي لا يتحول إلى قرار يُضعف الردع،
والسياسة التي تفصل الأخلاق عن المصالح تُنتج حالة مزمنة من عدم الاستقرار.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.


















Discussion about this post