كتب رياض الفرطوسي
ليس وعي الإنسان في ما يقدّمه من إجابات، فالإجابات قد تُستعار، تُلقَّن، تُحفظ كما تُحفظ الوصايا الباردة. الوعي الحقيقي يبدأ من مكان آخر تماماً : من الجرأة على السؤال. من القدرة على أن تقول (لماذا؟) دون خوف، و(كيف؟) دون طلب إذن. السؤال ليس ترفاً معرفياً، بل هو البنية التحتية للعقل الحي. العقل الذي لا يسأل، يتحول سريعاً إلى مستودع شعارات، أو أسوأ: إلى مخزن أوهام.
التاريخ، حين يُقرأ بإنصاف، لا يتقدم بالإجابات النهائية، بل بتراكم الأسئلة المقلقة. هكذا صنعت المجتمعات الحديثة حداثتها: بالاختلاف، بالنقض، بالمغامرة الفكرية، وبالاستعداد الدائم لتجاوز ما تظنه منجزاً. الغرب لم يولد حداثياً، بل صار كذلك لأنه لم يطمئن طويلًا إلى أي يقين. كان يهدم أفكاره كما يهدم مدنه القديمة ليبني أخرى أوسع، أكثر ضوءاً، وأقل طاعة.
في المقابل، هناك ثقافات أُنهكت لأنها جرّمت السؤال، ورفعت الطاعة إلى مقام الفضيلة العليا. الأحزاب الشمولية، على اختلاف شعاراتها، لم تنتج وعياً، بل خرّجت كائنات مدرّبة على الخصومة، تعيش على فكرة العدو أكثر مما تعيش على فكرة المعنى. ألغت العقل واستبدلته بالتلقين، حتى صار التفكير فعل خيانة، والشك رجساً، والسؤال مؤامرة.
المفارقة المأساوية أن كثيرين ممن غادروا تلك الأحزاب، حملوا معهم أمراضها كإرث ثقيل: نزعة الاستحواذ، وهم الحقيقة المطلقة، عقلية الثأر، والعجز عن رؤية العالم إلا كساحة صراع. وحين وصل بعضهم إلى السلطة، لم يغيّروا الأدوات، بل غيّروا المقاعد فقط. انتقلوا من الهامش إلى المركز وهم يحملون معهم الفراغ ذاته، الشحوب ذاته، والافتراس ذاته.
حتى في الكتابة، حيث يُفترض أن تتجلى الحرية، يظهر العطب فاضحاً. نصوص بلا روح، قصص تافهة تحاول تقليد الأدب، لكنها لا تلتقط من هذا العالم سوى قشوره. كأن كاتبها يعيش في كوكب آخر، لا يرى الحروب، ولا المعاناة، ولا قلق الشيخوخة، ولا انهيار الدول، ولا البشر الهائمين في البحار بحثاً عن ملاذ. معصرة فواكه فارغة لا تنتج سوى الضجيج. ثقة عمياء تشبه ما وصفه برتراند راسل: يقين الجاهل الذي لا يمتلك حتى صورة عن جهله.
هذه ليست أزمة أفراد، بل أزمة سياق كامل. سياق ثقافة مشهدية، شعارات جدران، تلقينات مدارس، وعوائل وأحزاب تعيد إنتاج (مجتمع الغنيمة): مجتمع يرى العالم ساحة اقتتال دائمة. في هذا المناخ تختفي العلوم، تختفي المساحات الرمادية، ويتحول الكون إلى ثنائية بدائية: أبيض أو أسود، معنا أو ضدنا. عقل مانوي (هو ذلك النمط من التفكير الذي يرى العالم في ثنائيات قاتلة، خير/شر، معنا/ضدنا، ويعجز عن رؤية التفاصيل والمساحات الرمادية التي تُنتج الفهم الحقيقي.) لا يرى التفاصيل، رغم أن التفاصيل وحدها تصنع التحولات الكبرى.
تاريخ طويل غذّى هذه الذهنية. منذ الصراعات المؤسسة الأولى، ومنذ أن تحولت المأساة إلى هوية، والجرح إلى برنامج سياسي. فُرض علينا أن نعيش داخل التاريخ بدل أن نغادره، وأن نعيد تمثيله بدل أن نفهمه. نشأ المثقف في حضن السلطة، كاتب بلاط، مدوّن أمجاد ومجازر، على عكس مثقف وُلد في صراع مع السلطة، يرى فيها خصمًا يجب مساءلته لا خادماً يجب تمجيده.
في ثقافة الاحتراب، لا قيمة للحقيقة، بل لقوة من ينطق بها. الخطاب لا يُقاس بصدقه، بل بالقبضة التي تحمله. لذلك، حين تزول القوة، تتحول تلك الخطابات إلى نفايات تاريخية. النازية بلا غستابو مجرد هذيان. الستالينية بلا أجهزة قمع حكاية باردة. والدكتاتورية بلا سلاح ضحكة متأخرة.
المأساة الأكبر أننا نصرّ على تحليل الهذيان بلغة السياسة، بدل أن نخضعه لعلوم النفس والاجتماع. نحاول مناقشة العبث بالمنطق، نزرع حدائق بأدوات حفر القبور. ثم نتساءل: لماذا لا ينمو شيء؟
نعيش حالة انفصال متعددة الطبقات: مع ذواتنا، مع الواقع، ومع اللغة. لغتنا لم تعد فقط أداة للتواصل، بل أداة لفهم وتفسير العالم. كثيراً ما نجد أنفسنا نكرر خطاباً معارضاً يفتقد إلى الحيوية الفكرية، ليس لأنه معارض بالضرورة، بل لأن آليات التفكير نفسها لم تتغيّر. العقل السياسي الراسخ يعيد إنتاج أنماطه، يغيّر الوجوه، لكنه يحتفظ بالتركيب نفسه، مما يجعل التجربة الجديدة أشبه بإعادة ترتيب قطع على لوحة واحدة دون تغيير الصورة الكبرى.
المعرفة، في جوهرها، مختلفة عن السلطة، وتنجح عندما تُمارس بحرية لا تحدّها القيود. الأنظمة لا تتغير بمجرد خطاب إنشائي، بل بالتغيير الذي يحدث في العقل الذي أنتجها. وما لم نعيد الاعتبار للسؤال، للسؤال بحد ذاته، سنظل نحوم في دائرة متكررة، حيث تتوالد الأساليب نفسها وتُعاد التجارب نفسها بلا وعي كامل.
الدولة الديمقراطية لم تكن يوماً شعاراً، بل ثقافة سؤال دائم. وحين ننسى ذلك، نكتشف متأخرين أننا لم نبنِ دولة، بل أعدنا إنتاج الكهف… مع إضاءة أفضل فقط.

















Discussion about this post