بقلم : فاطمة يوسف بصل
في ليلةٍ غابت فيها النجوم، وأصبح الظلام يلفّ كل شيء، هناك جرحٌ لا يُرى… يسري في عروق المجتمعات كما تسري الشروخ في الزجاج، صامتة، دقيقة، لكنها تنذر بانكسار وشيك.في المجتمعات لا تُقاس الحضارة بطول الأبراج، ولا بعرض الشوارع، بل بمدى صدق الناس مع أنفسهم، ونقاء علاقاتهم مع الآخرين. وحين تبدأ القيم بالذبول، لا نسمع صفير إنذار… بل نشعر بهواء مختلف، خانق، يُسمّم الروح دون أن يُرى. ذلك هو _الفساد الاجتماعي_، الوباء الصامت الذي يتسلل من النوافذ المفتوحة على المجاملة، ويستقرّ في قلوبٍ خائفة من المواجهة.
الفساد الاجتماعي ليس صفقة، بل ثقافة. حين يصبح الكذب حنكة، والغش ذكاءً، والنفاق لباقة، فنحن لسنا بخير. تتحوّل العلاقات إلى شبكة مصالح، تُدار بالهمس لا بالمواقف، وبالظهور لا بالجوهر. يُقصى النزيه لأنه لا يُساير، ويُهمّش المبدع لأنه “لا يعرف أحدًا”، ويُكافأ الانتهازي لأنه يعرف من أين تُؤكل الكتف.
– شاب مجتهد يُستبعد من فرصة مستحقة لأنه يفتقر للواسطة.
– معلمة تُحارب لأنها لا تُجامل الإدارة.
– فتاة تُكسر أحلامها لأن طموحها أكثر من اللازم.
هذه المشاهد اليومية، الصغيرة في ظاهرها، تشكّل معولًا يهدم ببطء جدار العدالة الاجتماعية.
في الفساد الاجتماعي… تُسرق الأصوات حين يُنزع صوت الحق، ويُكافأ الصمت، ويُقال للمظلوم تحمّل، تبدأ المجتمعات بخسارة أعظم ما تملك: ضميرها الجمعي. السكوت عن الخطأ ليس حيادًا… بل خيانة ناعمة تُنبت غدًا أكثر اعوجاجًا.
الفساد لا يحتاج إلى قوة لينهار… فقط إلى وعي الفساد الاجتماعي لا يُهزم بالشعارات، بل بالتربية، بالموقف، بكلمة لا تُساوم، وبـ”لا” تُقال في وجه الزيف. حين نُربّي أبناءنا على الاستحقاق لا التملق، على النزاهة لا الخضوع، حينها فقط نستعيد الهواء النقي.
الفساد لا ينكسر بضربة، بل بنقطة نقية في بحر العفن. كُن تلك النقطة. كُن الصوت الذي لا يساوم. كُن الموقف الذي لا ينحني. فحتى السماء… لا تحتاج أن تُصرخ لتُمطر، فقط تحتاج غيمة صادقة.
في النهاية، تذكّر أن كل فعل صغير يصنع فارقًا، وكل كلمة صادقة تُعيد الحياة. لا تنتظر أن يتغيّر الآخرون، ابدأ بنفسك. كُن النور في الظلام، والصوت في الصمت، والصدق في الزيف. لأن التغيير يبدأ من الداخل، ومن القلب ينبض الأمل.
لا تُطفئ شمعتك لتُضيء للآخرين، بل أوقدها لتُشعل فيهم نورًا لا ينطفئ.

















Discussion about this post