لم يكن ولن ولا سيكون دونالد ترامب مجرد رئيسٍ عابر في التاريخ الأميركي، بل ظاهرة سياسية كشفت المستور وأسقطت الأقنعة، وأظهرت للعالم حقيقة القوة الأميركية حين تُدار بعقلية الاستعراض لا بعقلية الدولة. لقد وعد كثيراً، وهدّد أكثر، وتباهى بلا حدود، لكنه في المحصلة فشل في أغلب الملفات التي جعلها عناوين كبرى لعهده. وأن هذا الفشل، قدّم خدمة عظيمة للبشرية، لأنه حطّم أوهاماً ظلّت تُسوَّق لعقود.
أول الفشل: السلام الذي لم يولد
تفاخر ترامب بأنه صانع الصفقات، وأنه قادر على إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، لكنه غادر المشهد دون أن يوقف نزيف الدم أو يفرض تسوية. بل تحوّلت الأزمة إلى نموذج جديد للصراع الدولي المفتوح، حيث لم تعد واشنطن قادرة على فرض الإيقاع كما في السابق.
ثاني الفشل: أوهام التوسّع والضم
حديثه عن ضم كندا أو السيطرة على غرينلاند لم يكن سوى استعراض إعلامي. العالم لم يعد يقبل منطق الإمبراطوريات القديمة، حتى حين يصدر عن البيت الأبيض. الدول الصغيرة والكبيرة باتت أكثر جرأة في رفض الإملاءات الأميركية.
ثالث الفشل: تغيير الأسماء والحقائق
محاولاته العبثية لتغيير أسماء جغرافية وتاريخية مثل الخليج الفارسي أو المكسيكي كشفت عقلية استهلاكية للسياسة، حيث يُختزل التاريخ العميق في شعارات انتخابية. فالأسماء قد بقيت، وترامب سيرحل.
رابع الفشل: نزع سلاح قوى المقاومة
هدّد بنزع سلاح حماس، وحزب الله، والحشد الشعبي، وأنصار الله في اليمن. لكن الوقائع على الأرض قالت شيئاً آخر: هذه القوى لم تضعف، بل ازدادت خبرة وانتشاراً وتأثيراً. فالقوة العسكرية لا تُكسر بالتصريحات ولا بالعقوبات وحدها.
خامس الفشل: إيران، الحرب والتهديد ثم التراجع
شنّ ترامب حرباً سياسية واقتصادية شرسة على إيران، وانسحب من الاتفاق النووي ظناً منه أن سياسة الضغط الأقصى ستُسقط الدولة أو تُجبرها على الاستسلام. لكنه فشل في ذلك.
ذهب أبعد من العقوبات، فهدّد بالتدخل العسكري، ولوّح بمساعدة جماعات إرهابية ومعادية لإيران، محاولاً إشعال الداخل الإيراني وزعزعة الاستقرار. غير أن لغة التهديد سرعان ما اصطدمت بالواقع.
عندما واجه احتمال الرد الحقيقي، تراجع، وتبدّد الخطاب الناري، وبقيت إيران قائمة، وبرنامجها لم يُدمَّر، بل دخلت المنطقة مرحلة جديدة من توازن الردع.
كانت حربه على إيران استعراض قوة بلا نتائج حاسمة، وانتهت بانكشاف حدود الهيبة الأميركية.
سادس الفشل: نوبل التي لم تأتِ
حلم ترامب بجائزة نوبل للسلام، لكنه ترك وراءه عالماً أكثر توتراً، وشرقاً أوسط أكثر احتقاناً، وعلاقات دولية أكثر هشاشة. الجوائز تُمنح لصانعي السلام، لا لصانعي الأزمات.
سابع الفشل: الداخل الأميركي
حتى في نيويورك، مدينته السابقة، لم يستطع فرض هيبته أو كسب ولائها. الانقسام الداخلي الأميركي ازداد، والثقة بالمؤسسات تراجعت، وصورة الديمقراطية النموذجية تشقّقت بوضوح.
ثامن الفشل: الحرب الاقتصادية مع الصين
أطلق حرب الرسوم الجمركية معتقداً أنه سيخضع بكين، لكن الصين لم تنكسر، بل أعادت ترتيب أوراقها، وواصلت صعودها كقوة عالمية منافسة.
الفشل الأكبر … والأهم
كل هذه الإخفاقات قادت إلى نتيجة أخطر وأعمق: سقوط وهم الديمقراطية وحقوق الإنسان الأميركية.
ترامب لم يخترع الاستبداد، لكنه كشفه. لم يصنع النفاق السياسي، لكنه عرضه على الهواء مباشرة. رأى العالم كيف تُنتهك القيم حين تتعارض مع المصالح، وكيف تُستعمل حقوق الإنسان كسلاح سياسي لا كمبدأ أخلاقي.
الخلاصة … ان ترامب قد فشل، نعم، لكنه بفشله كشف قد حقيقة النظام الذي يمثّله.
أسقط أسطورة المنقذ الأميركي، وفضح ازدواجية الخطاب، وأثبت أن القوة بلا عدالة تتحوّل إلى عبء على أصحابها قبل خصومهم.
وهنا تكمن خدمته الكبرى للبشرية والتاريخ:
أنه أظهر الحقيقة بلا مساحيق.
… بعض الإحصائيات مأخوذة من صحيفة الوفاق العربي …
جليل هاشم البكاء
















Discussion about this post