كتب رياض الفرطوسي
لم تُخلق الحياة لتُجاملنا، ولو فعلت لما احتجنا إلى الشجاعة، ولا إلى الأدب، ولا إلى كل هذا الصبر الذي نتعلمه متأخرين. الحياة لا تَعِد، ولا تشرح نفسها، ولا تعتذر عمّا تكسره في طريقها. هي فقط تمضي، ومن لا يفهم لغتها يتهمها بالقسوة، ومن يفهمها يسميها خبرة.
أكبر خدعة نتربى عليها هي أن السلام هو الحالة الطبيعية، وأن الألم استثناء، وأن التعثر علامة خلل في الشخص لا في الوهم الذي عاشه. لذلك، حين نخسر، لا نحزن فقط، بل ننهار… كأننا اكتشفنا فجأة أن الأرض ليست مفروشة بالطمأنينة.
الفشل ليس انهياراً، بل انكشاف.
هو اللحظة التي تسقط فيها الأقنعة: قناع القوة الدائمة، قناع النجاح المتواصل، قناع العلاقات التي بدت صلبة لأنها لم تُختبر. عند الفشل، لا نخسر الواقع، بل نخسر الصورة المزيفة عنه.
كثيرون يسقطون لأنهم اتكأوا طويلًا. الاتكاء مريح، لكنه خطر. على فكرة واحدة، على شخص واحد، على يقين واحد. وعندما ينهار هذا السند، يبدو السقوط مهيناً، بينما هو في الحقيقة تدريب قاسٍ على الاستقلال.
الصدمة لا تُدمّر، لكنها تعيد ترتيب الداخل بعنف.
تُسقِط الأثاث غير الضروري، وتُبقي ما يصلح للعيش. بعد الصدمة، تصبح أخف، لا لأنك ربحت، بل لأنك تخلصت من توقعات لم تكن لك أصلًا.
المشكلة ليست في الألم، بل في تضخيمه.
حين نمنحه أسماء نهائية: نهاية، خسارة كاملة، دمار… نحبسه فينا. الألم يمرّ، لكن الوجع يسكن عندما نصرّ على تحويل التجربة إلى مأساة هوية.
أمّا الكمال، هذا الصنم الصامت، فهو أكثر ما يستنزف الإنسان دون أن يجرحه علناً. يطالبه بأن ينجح دائماً، وأن يُخفي تعبه، وأن يبدو قوياً حتى وهو يتشقق من الداخل. وحين يتعثر مرة واحدة، لا يعاقبه المجتمع فوراً، بل يعاقب نفسه أولًا؛ يشكّ في قيمته، ويحتقر ضعفه، ويسقط في نظره قبل أن يخسر موقعه أو مكانته في الواقع.
وسط هذا كله، يظهر أولئك الذين اختاروا الطريق الأصعب: أن يعيشوا ببطء، وأن يعملوا بصمت، وأن يثقوا بالزمن أكثر من اللحظة. حين يُغلق الخارج أبوابه، يفتحون الداخل. يزرعون، يترجمون، يكتبون لأنفسهم لا للجمهور. كأنهم يعرفون سراً بسيطاً: ما يُصادر الآن، سيعود لاحقاً باسم آخر.
التاريخ لا يتذكر الضجيج طويلًا.
يتذكر الأثر.
الأنظمة، الحملات، التشهير، … كلها تعيش أعماراً قصيرة مهما بدت جبارة. أما الكلمة التي كُتبت من خسارة صادقة، فتعيش أطول من أصحابها وأعدائها معاً.
في النهاية، لا ينجو من لم يسقط،
بل من تعلّم كيف يقف بعد السقوط من دون أن يعود الشخص نفسه.
الحياة لا تكافئ الطيبين دائماً، لكنها تنصف الصادقين مع الزمن.
ومن يفهم أنها ليست نزهة، يعبرها بجروح مضيئة… لا كعلامة هزيمة، بل كدليل أنه عاش حقاً.

















Discussion about this post