لم تعد الحرب الأمريكية – الإيرانية احتمالًا نظريًا أو ورقة ضغط في لعبة التوازنات، بل باتت خطرًا وجوديًا يهدّد أمن الشرق واستقراره ومستقبل السلام فيه، ويؤثر مباشرة على استقرار الاقتصاد العالمي.
نحن الآن أمام مواجهة، إن اندلعت، فلن تُسقِط نظامًا أو تُعيد رسم نفوذ فحسب،
بل ستفتح أبواب فوضى شاملة قد تعصف بكل دول الإقليم والعالم بلا استثناء.
هذه الحرب
– إن وقعت –
لن تكون حرب جيوش تقليدية، بل حرب تدمير للاستقرار الإقليمي والعالمي، وضربة قاسية لأي مشروع سلام أو تنمية أو إعادة بناء.
وهي حرب تُعيد الشرق سنوات وربما عقودًا إلى الوراء.
واهم جدا كل من يعتقد أن هذه الحرب يمكن ضبطها أو حصرها جغرافيًا ..
فالنار التي قد تُشتعل في الخليج لن تبقى في الخليج،
والشرارة التي تبدأ في قاعدة عسكرية أو ممر مائي ستتحوّل سريعًا إلى انفجار إقليمي متدحرج.
وتعطيل الممرات البحرية يعني خنق الاقتصاد العالمي،
واستهداف المنشآت النفطية يعني اهتزاز الاستقرار الداخلي لدول الخليج،
أما الضغط على المجتمعات فيعني انفجار الشارع لا مجرد خسائر عسكرية.
وردّات الفعل الأمريكية:
على مقتل جنود أمريكيين ليس تفصيلًا قابلًا للاحتواء.
فحين تُستهدف القوات الأمريكية ويُقتل جنودها:
ينتقل القرار من إدارة أزمة إلى محاولات تهدئة الرأي العام على حساب استعادة الهيبة بالقوة،
وهنا يتراجع منطق الدبلوماسية أمام ضغط الرأي العام والكونغرس والإعلام ،
ويصبح الرد الواسع ضرورة سياسية داخلية لا خيارًا عسكريًا.
والخطر هنا أن القرار قد لا يعود عقلانيًا بالكامل، بل مشحونًا بمنطق الردع والانتقام، ما يفتح الباب أمام تصعيد لا يمكن السيطرة عليه.
أما الصين وروسيا فإنهما لن تقفا على الحياد الأخلاقي، لكنهما أيضًا لن تخوضا حربًا مباشرة.
روسيا ترى في استنزاف أمريكا فرصة استراتيجية، وتدعم ذلك سياسيًا وتقنيًا دون الذهاب إلى مواجهة كبرى.
أما الصين فإنها أكثر براغماتية؛
همّها الطاقة والتجارة والاستقرار.
وأية حرب في الخليج فإنها ستضرب اقتصادها مباشرة،
لذا ستضغط لمنعها لا لخوضها.
كلاهما يفضّل إضعاف النفوذ الأمريكي… من دون حرق النظام الدولي بالكامل.
أما إسرائيل فستكون كل حساباتها خاطئة
لأن دخولها المباشر في هذه الحرب لن يكون استعراض قوة، بل مقامرة عالية الكلفة.
وستواجه عدة جبهات،
اضافة الى الضغط الداخلي، واستنزاف الاقتصاد قد يحوّل التفوق العسكري إلى عبء استراتيجي.
فالحروب الوجودية لا تُدار بعقلية الضربات الوقائية،
ومن يعتقد أن النار ستبقى خارج الداخل الإسرائيلي لم يقرأ تجارب التاريخ القريب.
أما العراق ولبنان وسوريا:
فهي ساحات ،وستكون ضحايا خاسرة :
فالعراق مهدد بانفجار داخلي واسع مع استمرار الوجود الأمريكي.
ولبنان لا يحتمل صدمة إضافية واحدة.
وسوريا، ستتأثر اقتصاديًا وأمنيًا بفعل الجغرافيا والحدود والارتدادات الإقليمية.
ودول الخليج ليست بعيدة عن مرمى هذه الحرب.
فلا منظومات دفاعاتها الجوية قادرة على ضمان حماية كاملة للبنى التحتية،
ولا مجتمعات مُهيّأة لتحمّل انقطاع الكهرباء ليوم واحد ،
وستتعرض الموانئ للشلل ، أو توقف تصدير الطاقة.
كما أن إسرائيل ليست محصّنة من حرب متعددة الجبهات،
ولا من ضغط الداخل، ولا من استنزاف طويل يُفقد أي نصر عسكري.
إن من يراهن على الحرب كوسيلة ردع، قد يكتشف متأخرًا أنها أصبحت حرب بقاء للجميع.
حيث أن أوروبا هي الحلقة الأضعف وستتأثر بشدة:
بارتفاع أسعار النفط والغاز مما سيدفع اقتصاداتها إلى الركود ورفع كلفة المعيشة.
خاصة في حال قطع الغاز الروسي جزئيًا أو كليًا، مما ستواجه أزمات طاقة شديدة تهدد المصانع، المستشفيات، والمدن الكبرى.
والحرب المقبلة لم تعد محلية أو إقليمية، بل ستصبح تهديدًا عالميًا للأمن الاقتصادي والاجتماعي.
والأخطر في هذه المواجهة والحرب المقبلة أنها تقتل أي أفق للسلام في الشرق.
فلا سلام يولد من فوضى شاملة، ولا استقرار يُبنى على أنقاض الاقتصادات،
ولا عدالة تُفرض عبر تدمير المجتمعات.
ومن يشعل هذه الحرب اليوم لا يغامر بأمن خصمه فقط،
بل يخاطر بمصير الشرق والعالم كله.
خلاصة القول :
منع الحرب لم يعد خيارًا سياسيًا، بل واجبًا أخلاقيًا وتاريخيًا.
والصمت أمام هذا الانزلاق ليس حيادًا، بل تواطؤ مع الفوضى.
هذه الحرب التي تريدها وتخطط لها اسرائيل
– إن وقعت –
فإنها ستكون بداية لسقوط دول وانظمة وستخسر أمريكا الكثير من هيبتها ونفوذها .
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي
«صوتٌ من أجل شرقٍ يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»

















Discussion about this post