بين احتيال الذاكرة ومقاومة النسيان
فسحة في الثلاثية الققجية “مدونات دم” للكاتبة إلهام عيسى
د.طارق لعرابي
الجزائر
يطلق لفظ “الذاكرة” على القوة التي تدرك بقاء ماضي الإنسان في حاضره، ومنها تنتج الذكرى عن الصور الذهنية التي تحضر في الذاكرة، وتمثل أحداثا مضت يتم استحضارها تلقائيا أو إراديا، فهي جزء من حياتنا الماضية، وهي انفعال وجهد عقلي معا، وللتألم علاقته الزمانية التي نحس بها عاطفيا فتحضر الذكرى مرتبطة بكل ما أثر في النفس سابقا، فتتراكم تلك الذكريات كلها في مستودع الذاكرة.
دونت الشاعرة كتاباتها التي وأدها الزمن وابتلعها وهي حبلى بذكريات مخبأة بإحكام في زاوية مظلمة أبت أن تسفر عن وجهها، واستحضرت نوازعها المتزاحمة والمتنوعة الأكثر إخافة بوصفها الحاضنة الأمينة لكل ما هو مؤلم، مجابهة للإقصاء والذاكرة المضادة، فوحده ما لا يكف عن إيلامنا يظل في الذاكرة بتعبير “نيتشه”
إن التسلسل القصدي للجمل في النص يخول للقارىء الربط بين المنظورات النصية، ثم المكان والزمان اللذان تلتقي عندهما هذه المنظورات، وهو يرى أن كل تعالق للجملة ينبىء بأفق خاص، غير أن هذا الأفق يتحول مباشرة إلى خلفية للتعالق الموالي لأن تعالق الجملة يؤسس إلى تعالق جديد، مما يترتب عنه توقعات جديدة في كل مرة، فيتخطى تصوراته وأفكاره الخاصة فتتوارى خلفه ليصبح النص حاضره خاضعا لتجربته، وإن استغراقه في فعل القراءة والتأمل في النص يجعل الأحداث تبدو أمامه، وهذه مهارة فنية أبدعت الشاعرة في توظيفها فمتنت أواصر اتساق بنيات النص وصوره وانسجامها انسجاما يأذن لأشكال المعنى في التحرك عند معايشة القارىء للصور البلاغية ، واندهاشه لدى النظر فيها بإمعان، وهو بذلك ـ المتلقي ـ إنما يفتش عن ذاته محاولا الكشف عن خباياها، فيصل إلى هذه الحالة من الانصهار عند وقوعه على حركية المقول والمسكوت عنه.
إن الذكرى تقع تحت حكم الفاعل الحقيقي للبصمة وهو الحدث، وارتباط التذكر فينا يحيل حتما على فاعل ما، سواء فيما يطرأ على صورة الحدث في الذهن عند تذكره، أو فيما يتعلق باستجلاب الحدث في الذهن وتوظيفه ، كما تجلى في قول الكاتبة:
كالعادة كنت أستعيد الشريط السينمائي لحياتي في الريف من شقوق الذاكرة، أتكىء على عكازة الزمن وحدي……ارم أقلامك وأوراقك بعيدا عني، يا من وأدت الحلم…..
زكزت المبدعة ـ أيضا ـ في نصها على المفارقة الماثلة بالفجوة الجلية بين فعل التذكر بمحمولاته المختلفة و أهدافه وبين الواقع وتأثيراته التي تقوض من فعل الاندفاع الجامح للتعبير والإصلاح، وبسط روافد أحلام طالما ظلت مختفية في أركان عميقة من الذات وذاكرتها، وإن هذه الممارسة المضادة تجهض ـ لا محال ـ ولادة حلم لا يزال مخاضه مستمرا بمعنى الحياة.
مدوّنات دم
////////// الهام عيسى
احتيال ذاكرة ====
دوّنتُ كتاباتي ورقةً ورقةً، تشرب حبرها من مداد قلمي. كانت حبلى بذكرياتٍ ابتلعها الزمن. كان مولودي الأوّل يتنفّس رئة الحياة. أردتُه ترجمانًا لخلجاتٍ لم تُسفر عن وجهها بعد. ناداني صوتٌ من خلف الحجاب: ليس كلُّ نتاجٍ يجعلك كاتبًا. تعثّرت خطواتي إجهاضًا بأوّل رحم، إلّا أنّ المخاض مستمرّ بمعنى الحياة.
//////
ابتلاع ======
كالعادة، كنتُ أستعيد الشريط السينمائي لحياتي في الريف من شقوق الذاكرة، أتّكئ على عكّازة الزمن وحدي. هناك خرجتُ من ظلماتٍ كنتُ أعدّها خانقة، غارقة، منسيّة في آثام الذاكرة. تتحدّى زغاريدُ العواصف، تتراقص الجدران، تتمايل في حفلةٍ تنكّرية. ثمّة صوتٌ يأمرني: ارمِ أقلامك وأوراقك بعيدًا عنّي، يا من وأدتَ الحلم. كنتُ الأكثر هدوءًا في قلب التنّين؛ يتصارعون لابتلاع نَسْلٍ لم يسمن بعد.
//////
تأوّهات بطيئة =====
فيما كنتُ وأوراقي نقيم طقوس الحبّ والغزل، نتنفّس وأفرغ ما في جعبتي من ثرثرات، وأسـكب ماء حبري، وهي ترتشف رحيق الكلمات وتعيد ترتيب الأحداث. يجلس قلمي على الورق، تصطفّ حزمةُ أعواد الثقاب، تكتنز النار قبل أن تتحوّل إلى حكاياتٍ ورماد. شعرتُ بخرقٍ في عينيه حتى تأوّه ببطء. همس لي: إيّاك المضيّ في محاربة الطواحين، فالهواء عصيّ الانطفاء عند يقظة النار. شعرتُ بصفعةٍ لم توقظني، لكن غفوتي تلاشت في العالمين















Discussion about this post