كتب رياض الفرطوسي
لم تأتِ شهادة ماركو روبيو أمام الكونغرس كبيان نصر، ولا كتمهيد لحرب وشيكة، بل بدت أقرب إلى اعتراف ثقيل بأن القوة، حين تفتقر إلى اليقين، تتحول إلى عبء على صاحبها. ما قاله وزير الخارجية الأمريكي لم يكن مجرد عرض لسياسات الإدارة، بل كشفٌ غير مقصود عن ارتباك استراتيجي يتخفّى خلف لغة صارمة.
الملفات التي استعرضها روبيو كانت كثيرة، لكن إيران كانت الحاضر الغائب، أو الغائب الحاضر بقوة. هناك، عند اسم طهران، اختفى الاطمئنان الأمريكي المعتاد، وبرز سؤال قديم بصيغة جديدة: ماذا بعد؟
أخطر ما في الشهادة لم يكن التهديد بالضربة العسكرية، فهذه لازمة أمريكية محفوظة، تُستدعى كلما انسدّ الأفق، بل كان الاعتراف الصريح بأن واشنطن لا تعرف شكل إيران إذا سقط نظامها الحالي. هذه الجملة وحدها كافية لتفسير كل ما يحيط بالسياسة الأمريكية من تردد. دولة تقود العالم لا تحب الاعتراف بالجهل، وعندما تفعل، فذلك لأن المجهول صار أكبر من قدرتها على التقدير.
هذا الاعتراف لا يعبّر فقط عن قلق أمريكي، بل يعكس حقيقة غالباً ما تُتجاهل في الخطاب الغربي: إيران ليست نظاماً معزولًا عن مجتمعه، ولا معادلة يمكن حلّها بضربة جوية أو عقوبات إضافية. هي دولة ذات بنية معقّدة، ومجتمع متماسك أكثر مما يُصوَّر، وأي فراغ مفاجئ فيها لن يكون هدية لواشنطن، بل كابوساً استراتيجياً جديداً.
حين قال روبيو إن الإدارة تدرس الخيار العسكري، كان يبدو كمن يلوّح بسيف يعرف جيداً أن استخدامه مكلف. التجربة العراقية ما زالت حيّة في الذاكرة الأمريكية، لا كخطأ عابر، بل كجرح مفتوح. إسقاط الأنظمة أسهل بكثير من إدارة ما بعدها، وهذا ما تخشاه واشنطن في الحالة الإيرانية تحديداً.
أما الحديث عن تفضيل الدبلوماسية، فجاء مشروطاً بحزمة مطالب تبدو أقرب إلى إعادة صياغة الدولة الإيرانية من جذورها: لا برنامج نووي، لا صواريخ، لا نفوذ إقليمي. بعبارة أخرى، المطلوب من طهران أن تتخلى عن أدوات قوتها جميعاً، ثم يُطلب منها أن تثق بالضمانات. وهذا، في منطق الدول، ليس عرضاً تفاوضياً بقدر ما هو اختبار للصبر.
من زاوية إيرانية، تبدو هذه الشروط دليلاً إضافياً على صحة الرهان القديم: الاعتماد على الذات، وبناء عناصر الردع، وعدم التسليم لوعود القوى الكبرى. فالدولة التي تتخلى عن أوراقها قبل الجلوس إلى الطاولة، لا تجلس، بل تُستدعى.
شهادة روبيو، في جوهرها، تقول إن واشنطن قوية لكنها غير مطمئنة، وإنها تريد تغيير سلوك إيران، لكنها تخشى كلفة تغيير نظامها. هذا التناقض هو ما يمنح طهران مساحة حركة، ويجعل سياسة “الصبر المحسوب” أكثر من مجرد تكتيك، بل خياراً استراتيجياً.
في النهاية، لم تُظهر الشهادة إدارة واثقة تتقدم، بل قوة كبرى تتردد عند مفترق طرق. أما إيران، التي اعتادت العيش تحت الضغط، فتبدو – paradoxically (بصورة مفارِقة وعلى عكس المتوقع) – الطرف الأكثر دراية بحدود اللعبة. ففي السياسة الدولية، ليس من يصرخ أعلى هو الأخطر، بل من يعرف متى يصمت… ومتى ينتظر.
















Discussion about this post