دخلت أسواق المعادن الثمينة صباح الأربعاء في وضعية تعاف لافتة، بعد الهزة العنيفة التي تعرضت لها نهاية الأسبوع الماضي. فعند الساعة 3:45 فجراً بتوقيت نيويورك، كان الذهب الفوري يقترب من ارتفاع يقارب 3% ليستقر قرب 5079.4 دولار للأونصة، بينما قفزت عقود الذهب في نيويورك بنسبة 3.3% إلى 5093.8 دولار.
يأتي الانتعاش بعد عام استثنائي للمعدن الأصفر، حيث قفزت الأسعار 66% خلال 2025 وواصلت مسارها الصاعد مع بداية 2026، بدعم من التوترات الجيوسياسية، والاضطراب في السياسات التجارية، والمخاوف المتزايدة بشأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي.
لكن موجة الصعود القوية توقفت فجأة الجمعة الماضية، عندما فقد الذهب نحو 10% من قيمته في جلسة واحدة، في تراجع امتد إلى الفضة والبلاتين والبلاديوم. الشرارة انطلقت مع إعلان ترشيح كيفن وارش لرئاسة الفيدرالي، ما فتح الباب أمام عمليات بيع واسعة استمرت حتى جلسة الاثنين، بحسب ما ذكرته شبكة “CNBC”، واطلعت عليه “العربية Business”.
غير أن جلسة الثلاثاء حملت إشارات واضحة على بدء التعافي، مع ارتفاع الذهب الفوري بأكثر من 6% إلى 4946.81 دولار للأونصة.
ورغم هذه التقلبات، يرى عدد من المحللين أن ما حدث ليس سوى استراحة في مسار أطول من الصعود، وليس نهاية دورة الارتفاع الحالية.
الذهب.. ثالث موجة صعود كبرى منذ 1971
تصحيح دورة الذهب بين 1971 -1980 (المصدر وAJ Bell, LSEG):CNBC

في مذكرة صدرت الاثنين، قال مدير الاستثمار في “AJ Bell”، راسل مولد، إن السوق تشهد حالياً ثالث أكبر موجة صعود منذ عام 1971، مشيراً إلى أن الدورتين السابقتين تخللتهما تصحيحات عنيفة دون أن توقف مسارهما العام.
ويعود مولد إلى فترة 1971 – 1980، التي بدأت بقرار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إنهاء ارتباط الدولار بالذهب، قبل أن تتفاقم أزمة العجز وتتصاعد أسعار النفط والتضخم. خلال تلك الفترة، قفز الذهب من 35 دولاراً إلى ذروة 835 دولاراً عام 1980.
لكن الطريق لم يكن صاعداً بالكامل، إذ سجل الذهب عدة موجات هبوط، كان أطولها استمر 105 أيام، وأقواها تجاوز 19.4%، بحسب بيانات AJ Bell وLSEG.
ثم جاءت فترة السبات التي امتدت حتى عام 2001، قبل أن تنطلق موجة صعود جديدة مدفوعة ببحث المستثمرين عن ملاذ من السياسات النقدية شديدة التيسير عقب انفجار فقاعة الاتصالات ثم الأزمة المالية العالمية 2007–2009.
وخلال موجة 2001 – 2011، سجل الذهب 5 تصحيحات هبط خلالها بأكثر من 16% في بعض المراحل.
أما موجة الصعود الحالية، والتي يرجعها مولد إلى عام 2015، فشهدت 5 تصحيحات قبل انهيار الجمعة الماضية، بما فيها هبوط بأكثر من 20% في 2022، إضافة إلى تراجعات بنحو 10% في أعوام 2016 و2018 و2020 و2021 و2023.
هل يمثل الهبوط الأخير فرصة شراء؟
تصحيح دورة الذهب بين 2001-2011(المصدر وAJ Bell, LSEG):CNBC

يرى مولد أن الثيران — أي المتفائلين بالأسعار — قد يعتبرون التراجع الحاد فرصة لتعزيز المراكز، خاصة أن أساسيات السوق لا تزال داعمة، من توترات جيوسياسية، وتضخم مرتفع، وديون حكومية متصاعدة.
عامل جديد في دورة 2026: البنوك المركزية
من جهته، قال مدير المحافظ في فريق الموارد الطبيعية بشركة “Ninety One”، جورج تشيفلي، إن العوامل التي رفعت أسعار الذهب تاريخياً لا تزال قائمة، لكنه أشار إلى عامل جديد يزيد من متانة السوق: مشتريات البنوك المركزية.
وأوضح: “رغم انخفاض صافي مشتريات البنوك المركزية إلى 328 طناً في 2025 من 345 طناً في العام السابق، إلا أن وتيرة الشراء ظلت قوية، وأصبحت تلعب دوراً أكبر مما كانت عليه في الدورات السابقة”.
وأضاف أن الذهب قادر تاريخياً على الصمود حتى في فترات التقلب، خصوصاً مع بقاء العوائد الحقيقية منخفضة واستمرار الغموض حول النمو والديون والجغرافيا السياسية.
هل بلغ الذهب مرحلة المبالغة في التقييم؟
تصحيح دورة الذهب من 2015 (المصدر وAJ Bell, LSEG):CNBC

استراتيجيون في بنك باركليز أكدوا الثلاثاء أن الذهب، رغم وصوله إلى مستويات يعتبرها البعض مبالغاً فيها، لا يبدو أقرب إلى فقاعة. وأشاروا إلى أن القيمة العادلة للذهب وفق نموذجهم تقارب 4000 دولار للأونصة، لكن فترات سابقة أظهرت أن الانحراف عن القيمة العادلة قد يستمر لسنوات، مشيرين إلى أن التضخم، والشكوك حول السياسة الأميركية، وانخفاض قيمة الدولار، كلها عوامل دعمت ارتفاع الأسعار.
وفي مذكرة صدرت يوم الاثنين بعنوان “ليست النهاية”، أشار كبير مسؤولي الاستثمار في بنك “يو بي إس” إلى أن عمليات البيع المكثفة يوم الجمعة مثلت أكبر خسارة يومية للذهب منذ 13 عاماً.
وقالوا: “يتساءل المستثمرون عما إذا كان هذا الحدث يشير إلى نهاية السوق الصاعدة للذهب، أم أنه ينذر بدخول فترة أكثر تقلباً. فعادةً لا تنتهي الأسواق الصاعدة للذهب بمجرد انحسار المخاوف أو ارتفاع الأسعار بشكل مفرط، بل تنتهي عندما ترسخ البنوك المركزية مصداقيتها وتتبنى نظاماً جديداً للسياسة النقدية. وبما أن وارش لم يظهر نفس المصداقية التي أظهرها الرئيس السابق بول فولكر، فإننا لا نعتقد أن هذه هي نهاية السوق الصاعدة للذهب”.
بحسب تحليل أجرته شركة “يو بي إس”، فإن تطبيق سياسات نقدية صارمة من قبل بول فولكر عام 1980 “أعاد فعلياً مصداقية الاحتياطي الفيدرالي”، مما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الفائدة الحقيقية وفترة طويلة من ارتفاع قيمة الدولار.
وأضاف محللو “يو بي إس”: “خلال دورات الأسعار السابقة – في سبعينيات القرن الماضي، والعقد الأول من الألفية الثانية، وما بعد عام 2020 – كان سعر الذهب يميل إلى الارتفاع كلما شكك المستثمرون في قدرة صناع السياسات في الاحتياطي الفيدرالي على الحفاظ على القيمة الحقيقية للدولار. وانخفضت الأسعار عندما استعيدت الثقة جزئياً، لكن دورات الصعود لم تنتهِ إلا بعد عودة الثقة الكاملة”.
انخفض مؤشر الدولار الأميركي، الذي يقيس قيمة العملة الأميركية مقابل سلة من العملات الرئيسية المنافسة، بأكثر من 10% خلال العام الماضي، وسط مخاوف بشأن استقلالية البنوك المركزية وتضارب السياسات النقدية الصادرة عن البيت الأبيض.
وقال فريق “يو بي إس” في تقريره: “تشير تحليلاتنا إلى أن الذهب يمر حالياً بمرحلة متوسطة إلى متأخرة من سوقه الصاعدة، حيث ينتقل من مسار صعودي ثابت إلى مسار يصل إلى مستويات قياسية جديدة، ولكنه يشهد انخفاضات متقطعة تتراوح بين 5 و8%”.
وأضاف الفريق: “من المهم الإشارة إلى أن العوامل المعتادة تاريخياً التي تنبئ بنهاية السوق الصاعدة للذهب – كاستمرار ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية، وقوة الدولار الأميركي هيكلياً، وتحسن الأوضاع الجيوسياسية، واستعادة البنوك المركزية لمصداقيتها بالكامل – لم تتحقق بعد، في رأينا”.
ويتوقع “يو بي إس” أن يصل سعر الذهب إلى 6200 دولار أميركي بحلول الشهر المقبل، قبل أن ينخفض إلى 5900 دولار أميركي بنهاية العام.


















Discussion about this post