كتب رياض الفرطوسي
العبودية لم تختفِ، هي فقط تعلّمت أن تتأنّق. نزعت السلاسل، وارتدت بدلة رسمية، وصارت تتحدّث بلغة الاستقرار. لم تعد تصرخ في الساحات، بل تهمس في الرواتب، وتنام في العقود، وتُربّي أجيالًا كاملة على فكرة واحدة: لا تسأل كثيراً، المهم أن تعيش.
في القرن السادس عشر، كتب المفكر الفرنسي إتيان دولا بويسي عن ظاهرة سماها (العبودية الطوعية)، وهي أخطر أشكال العبودية، لأن الإنسان فيها لا يُقهر بالقوة، بل يتنازل بإرادته، أو بما تبقّى منها. المواطن، كما يراه بويسي، لا يولد عبداً، بل يُصنَع عبداً عبر الاعتياد، والتكرار، وتطبيع الظلم، حتى يصبح الاستبداد بيئة مألوفة، لا يُفكَّر في الخروج منها، ولا يُتخيَّل بديل عنها.
هذا (المواطن المستقر) — بتعبير بويسي — لا يعيش حياة حقيقية، بل حالة انتظار طويلة. مستقر، نعم، لكنه استقرار يشبه التخدير، لا الطمأنينة. استقرار لا يقوم على الحرية أو الكرامة أو القدرة على صناعة المصير، بل على البقاء فقط. يأكل، ينام، ويؤدي دوره… ثم يعيد الدورة من جديد، كأن الحياة مؤجّلة إلى وقت لن يأتي.
حين نضع هذا المفهوم أمام واقع الوظيفة الحديثة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: متى تكون الوظيفة عملًا، ومتى تتحوّل إلى عبودية ناعمة؟
الوظيفة ليست في ذاتها قيداً، لكنها تصبح كذلك حين تُفرغ الإنسان من قدرته على التفكير، وحين يُقايَض وعيه بالأمان، وحين يُغرق في روتين طويل يطفئ أسئلته الأخلاقية والعقلية، فيتوقف عن رؤية الخلل، بل وقد يدافع عنه.
برنارد شو لخّص الفكرة بوضوح حاد: الأجر الذي يُدفع للإنسان كي يأكل وينام كان يُسمّى في الماضي عبودية، واليوم تغيّر الاسم فقط. ليست المشكلة في الأجر ذاته، بل في أن يتحوّل إلى سقف للحياة لا إلى أرضية لها، وأن يُقدَّم الحد الأدنى بوصفه أقصى ما يمكن بلوغه.
في الجهة الأخرى من التاريخ، يقدّم فريدريك دوغلاس، العبد الأمريكي الذي انتزع حريته بالتعلّم والمقاومة، شهادة دامغة: العبودية تبدأ حين يُحرَم الإنسان من الوعي. التعليم عند دوغلاس لم يكن ترفاً، بل كسراً للقيد. لأن من يفهم وضعه لا يعود صالحاً ليكون عبداً طويلًا.
وهنا تكمن خطورة العبودية الحديثة: أنها جماعية، مشرعنة، ومكرّرة. تمارسها القوانين، والعادات، والخطاب العام، والإعلام، حتى تصبح وضعاً طبيعياً لا يُسأل عنه. وحين يصبح الجميع داخل القفص، يتحوّل القفص إلى (عيد)، كما تقول الأمثال، ويصير الخارج عنه شاذاً، متهوراً، أو غير واقعي.
لكن، وكما أن التعميم خطر، فإن التهوين أخطر. ليست كل وظيفة عبودية، وليس كل موظف عبداً. هناك من يدخل الوظيفة بوصفها مرحلة، أداة، وسلّماً. يعرف لماذا هو هناك، وإلى متى. يراكم خبرة، ويبني علاقات، ثم يغادر حين يحين الوقت. هذا إنسان يعمل، لا إنسان يُستعمل.
العبودية تبدأ حين تختفي القدرة على المغادرة، لا حين يوجد المكتب. حين يصبح الخوف من التغيير أكبر من كلفة البقاء. حين تُؤجَّل الحياة باسم الواقعية، ويُسحق الحلم باسم الحكمة. هناك، تحديداً، تتحقق نبوءة بويسي: عبد لا يفكّر، لا لأنه عاجز، بل لأنه تعلّم أن عدم التفكير أكثر أماناً.
السؤال إذن لا يجب أن يكون: هل الوظيفة عبودية؟
بل: هل ما أعيشه اختيار، أم تكيّف طويل مع ما لا أريده؟
لأن العبودية الحديثة لا تطلب منك أن تركع،
يكفي أن توافق…
وتستقر.


















Discussion about this post