بقلم: فاطمة يوسف بصل
التفكير هبةٌ عظيمة، قادرة على أن تفتح الأبواب المغلقة في حياتنا، وتحوّل المواقف الصعبة إلى فرص للنمو والفهم. لكن التفكير الزائد، ذلك الضيف الذي لا يغادر، يمكنه أن يحوّل هذه الهبة إلى عبءٍ ثقيل، يسلب القلب راحته، ويحوّل الفرح إلى قلق مستمر.
إنه ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس بلا توقف، يصرخ في هدوء، ويعيد تركيب الأحداث في ذهنك بشكل يرهقك أكثر مما يفيدك. كم مرةً انتهى يومك محمّلًا بالحزن بسبب كلمةٍ عابرة قالها زميل في الصف أو العمل؟ تعود إلى البيت وأنت تكرّر المشهد في رأسك مرارًا، تحلّل نبرة الكلام، تفكّر في النوايا، وتبتكر سيناريوهات لم تحدث ولم تُقصد، بينما الشخص الآخر ربما نسي الأمر تمامًا منذ دقائق.
في هذه اللحظة، لا تكون المشكلة في الكلمة نفسها، بل في عقلك الذي رفض أن يتركها تمضي. وكم من طالبٍ أنهى اختبارًا أو مشروعًا بنجاح، لكنه بدلاً من أن يشعر بالإنجاز، ينقّب في عقله عن كل خطأ محتمل، متخيّلًا النتائج السيئة في المستقبل؟ لو درست أكثر لكانت النتيجة أفضل، ماذا لو لم أستطع اجتياز المرات القادمة؟ وهكذا يتحول النجاح إلى مصدر للقلق، والفرح إلى عبءٍ ثقيل.
التفكير الزائد لا يترك النجاحات تنمو بحرية، بل يسرق ثمارها قبل أن تصل إلى القلب. حتى العلاقات الإنسانية لا تسلم من هذا اللص الخفي. رسالة لم يُجب عليها الطرف الآخر فورًا، فينشأ في رأسك سيناريو كامل: تجاهل، برود، تغير مشاعر، احتمال انتهاء العلاقة. كل هذا يحدث بينما الحقيقة قد تكون أن الهاتف بعيد عن اليد، أو أن الشخص كان مشغولًا.
بهذا الشكل، يخلق التفكير الزائد مسافات وهمية بين الناس، ويجعلنا أسرى توقعات لا أساس لها. وفي البيوت، نجد التفكير الزائد يتخفّى خلف الحرص والاهتمام. أمٌّ أو أب يراقب الأبناء بقلق دائم، يحسب الأخطاء قبل أن تحدث، ويتخيّل المخاطر المحتملة، فيكبر القلق معهم.
الأطفال يكبرون، لكن التوتر يظل حاضرًا في كل لحظة، ويصبح الفرح مؤجلاً، والطمأنينة غريبة عن المكان. نفس السيناريو يتكرر مع القرارات الحياتية الكبرى: اختيار تخصّص، وظيفة، أو مشروع شخصي. يقف الشخص مشلولًا، لا لأنه عاجز عن الاختيار، بل لأن عقله خلق مئات السيناريوهات المليئة بالقلق، قبل أن يبدأ أي خطوة فعلية.
التفكير الزائد في جوهره ليس حرصًا على الفهم، بل خوفًا مقنّعًا من المجهول، رغبةً جامحة في السيطرة على ما لا يُسيطر عليه. هو يختبئ وراء التحليل والتدقيق، لكنه في النهاية ينهك العقل ويستنزف القلب.
يسرق اللحظات الصغيرة من حياتنا: ضحكة عفوية، محادثة بسيطة، أو مساء هادئ. حتى أجمل اللحظات تصبح ملوّثة بالأسئلة: هل فعلت الصواب؟ هل كان يجب أن أتصرف بطريقة أخرى؟ ماذا لو…؟
لكن الخلاص ممكن. يبدأ حين ندرك أن ليس كل فكرة تستحق الانتباه، وأن بعض الأسئلة لا تحتاج إجابة. حين نتعلّم فنّ التوقف، فنترك الماضي يذهب، والمستقبل يأتِ ببطء، ونستعيد السيطرة على حاضرنا.
حين نقول لعقولنا: كفى، تبدأ الضحكات بالعودة، ويصبح النوم أهدأ، وتستعيد اللحظة حيويتها. الحياة مليئة بما يكفي من التحديات الحقيقية؛ لماذا نضيف إليها معارك وهمية نصنعها في عقولنا؟ أليس الأجمل أن نعيش اللحظة، وأن نترك بعض الغموض للقدر؟ أليس الطمأنينة أسمى من أي إجابة نبحث عنها بلا توقف؟
إذا كان التفكير نورًا يهدي الإنسان، فمتى يتحوّل إلى ظلٍّ يلاحقه؟ وهل نحتاج فعلاً إلى أن نفكر أكثر… أم إلى أن نعيش أكثر؟ ربما، السعادة ليست في كثرة التحليل، بل في بساطة العيش، وقبول أن لا يُفهم كل شيء.
“السعادة تنبض في لحظات التحرر من قيود التفكير، وتزهر في بساطة العيش.”
















Discussion about this post