كتب أحمد رفعت يوسف
يقوم بناء وتشكيل الدول على ركنين أساسيين، لا يمكن أن يكتمل قيامها، بدون اكتمال هذين الركنين، أو في حال حصول أي خلل بنيوي في أي منهما.
الأول: وهو سيطرتها على كامل الجغرافيا التي تتشكل منها الدولة، والمعترف بها وفق القوانين والنظم الوطنية والأممية، وبما فيها من ثروات بشرية وطبيعية.
الثاني: هو حق الشعب، بمختلف مكوناته، في نيل كامل حقوقه الوطنية والدستورية، التي تكفل له المساواة بين جميع المواطنين، في الحقوق والواجبات، وتحقيق الحد الأدنى من العيش الكريم والآمن، ضمن حدود الوطن.
من هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى ما جرى في المنطقة الشمالية الشرقية، وامتداداتها في حلب، وبعض مناطق غرب الفرات، والتي كانت تقع تحت سيطرة قوات سورية الديمقراطية (قسد) إلا وفق هذا الأساس، وبالتالي لا يمكن لأحد، لا داخل الدولة ولا خارجها، انكار حق الدولة، في بسط سيادتها، على هذه المنطقة، وأي منطقة أخرى، قد تكون خارجة عن سيطرتها، سواء بشكل كامل أو جزئي، أو بفعل عوامل داخلية أو خارجية، أو بفعل قوة عسكرية، وهذا يختلف عن أي تواجد أجنبي، يكون بشكل قانوني أو شرعي، وفق الحق الذي يكفله الدستور، لقيادات الدول، في إبرام المعاهدات والاتفاقات، التي تنظم أي تواجد أجنبي، وبما يتوافق مع مصلحتها الوطنية.
إن نظرة موضوعية للوضع في سورية اليوم، يوضح أنه يوجد خلل كبير في هذين الركنين الأساسيين لقيام الدولة، فلا الحكومة تبسط سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية، ولا المواطن السوري يشعر بأنه ينال كامل حقوق المواطنة وأسسها، التي تنمي عنده روح الانتماء لبلده، وبدون أن يشعر بالقلق على حياته، ومستقبل أسرته، أو التفكير بالهجرة بحثاً عن حياة أفضل.
قد تكون الأولوية في تحقيق هذين الشرطين، لبسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها، حتى تتمكن قياداتها ومؤسسات الحكم فيها، من ممارسة سلطاتها على كامل أراضيها، وحتى يتمكن كل أفراد الشعب، من ممارسة حقهم، والتعبير عن آرائهم ومواقفهم، وخاصة في المواضيع الوطنية والدستورية، والمشاركة في مؤسسات الدولة وإداراتها.
أما الحالة الأمثل لما نحن فيه، وهي السير في تحقيق هذا الركنين، في مسارين متوازيين، يحققان الشرطين معاً، بتحرير الأرض، وحفظ حقوق المواطنين، والعيش الكريم في بلدهم.
بالتأكيد هذا يأتي أولاً من دستور يحظى بموافقة الشعب، ويقوم على أساس المواطنة، ومساوة جميع أفراد الشعب في الحقوق والواجبات، مع مراعاة خصوصية الشعب السوري، وغناه الكبير، في تنوعه السياسي والاجتماعي والديني والعرقي، المتكون عبر آلاف السنين، ودوره في بناء الحضارة البشرية، منذ اختراعه الأبجدية، والنوتة الموسيقية، والألعاب الأولمبية، والديانات، والمدارس الفكرية والفلسفية، والتي تعتبر إرثاً عظيماً نفتخر به، ومن واجبنا الحفاظ عليه وإبرازه.
قد يكون من حظ الشعب السوري – وفي حالة نادرة من تاريخه الحديث – أن القرار الإقليمي والدولي، يتوافق مع إرادته، بالحفاظ على سورية دولة موحدة، وهذا ليس حباً بالشعب السوري، أو حرصاً على مصالحه، وإنما بفعل مصالح القوى والدول المؤثرة بالموضوع السوري، وبفعل توازنات القوى والقوة في المنطقة والعالم، وهذا يوفر فرصة مناسبة، علينا عدم تفويتها، لإعادة بناء الدولة السورية، وتحديد هويتها الوطنية والقومية، وفق مصالح الشعب السوري، وإرثه الحضاري والتاريخي، وهذا يتطلب عقد مؤتمر وطني حقيقي، يضع الأسس لدستور وطني، يتوافق مع خصوصيته، ويتم إنجازه من خلال خبراء متخصصين، ويكون الأساس لانتخابات، تنتج برلمان تمثيلي حقيقي، وحكومة تعكس نتائج هذه الانتخابات، وهذه الخطوات، ستعطي مشروعية دستورية ووطنية، لمؤسسات الحكم والدولة، وتقوي من موقفها في الداخل والخارج، وهو ما نتمنى أن نراه قريباً، حتى تنتقل سورية، إلى مرحلة البناء والإعمار.


















Discussion about this post