كتب رياض الفرطوسي
نتحدث اليوم عن أزمة قيادة عالمية، في السياسة، في الاقتصاد، وفي المؤسسات الكبرى، لكننا نادراً ما نسأل السؤال الأعمق: من الذي أعدّ هؤلاء القادة؟
في كثير من الأحيان، ترتكز مناهج إعداد القادة على فلسفة الجدارات والكفاءات. هذه الفلسفة جاءت لتحل محل فلسفة الأهداف القديمة، لتضع قائمة من المهارات والمعارف التي يجب أن يمتلكها كل قائد. لكن هذه المقاربة نفسها تواجه تحديات كبرى: هل يمكن فعلاً قياس الجدارة؟ هل يمكن تقييم القيم الأخلاقية؟ أم تتحول القيادة إلى مجرد قائمة مهارات قابلة للقياس، بلا روح، بلا رؤية، بلا قدرة على مواجهة تعقيدات الواقع المتغير؟
هنا تكمن الأزمة الحقيقية، فالقادة لا يُصنعون في الفراغ، والأزمة ليست في الأفراد فقط، بل في المناهج التي صنعتهم. منهج يركز على الكفاءة وحدها، ويغفل السياق الأخلاقي والاجتماعي والتكنولوجي، سيولد قادة عاجزين عن التعامل مع التحولات المعقدة للمستقبل، قادة يواجهون الأحداث رد فعل بدل أن يصنعوا الاتجاه.
مستقبل مناهج إعداد القادة يتجه اليوم نحو ثلاثة مسارات مترابطة، كل منها يعكس جزءاً من احتياجات الغد: أولاً، التعلم الرقمي المخصص، حيث يوفر الذكاء الاصطناعي برامج تعليمية تتكيف مع قدرات كل متدرب، تعزز مهاراته وتسد نقاط ضعفه، لتصنع قادة قادرين على اتخاذ القرار بسرعة وكفاءة. لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي؛ القائد يحتاج إلى أكثر من الآلات والخوارزميات.
ثانياً، إعداد قيادي قائم على القيم والذكاء العاطفي. هنا يصبح القائد شخصاً يوازن بين الفعل والتأثير، بين السلطة والمسؤولية، بين السرعة والعدالة، بين الطموح والأخلاق. القيم لا تكون شعارات معلقة، بل قلب العملية التعليمية نفسه، لتضمن أن القرار لا يفقد بُعده الإنساني في عالم يركض خلف السرعة والكفاءة.
ثالثاً، هناك المناهج الفوضوية المجزأة، انعكاس مباشر لاضطراب الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي. هذه المناهج تكسر العملية التعليمية إلى وحدات متفرقة، أحياناً غير مترابطة، تعكس تقلبات العالم المتغير. قادتها يتعلمون التكيف مع الفوضى، لكنهم يواجهون خطر تحوّل التعليم إلى مجرد رد فعل على الأحداث، بلا قدرة على صناعة رؤية واضحة.
التحدي الأكبر إذاً لا يكمن في المحتوى وحده، بل في الفلسفة التي تُبنى عليها المناهج. هل نريد قادة فعالين فقط؟ أم قادة أخلاقيين؟ أم قادة رقميين؟ أم مزيجاً متكاملاً يجمع بين الكفاءة، القيم، والذكاء التكنولوجي؟ الإجابة هنا تحدد شكل القيادة بعد الغد.
الأزمة واضحة: إعداد القادة دون إعادة تصميم المناهج من جذورها هو ببساطة إعادة إنتاج الأزمة نفسها بأسماء جديدة. فلسفة الجدارات وحدها ليست نهاية الطريق؛ بل أداة لتقوية القدرات، بينما المستقبل يتطلب التفكير في التعلم الرقمي المخصص، القائم على البيانات، والموازي للقيم الإنسانية، بحيث يصنع قادة قادرين على قراءة المستقبل قبل أن يُفرض عليهم، لا مجرد مواجهة أزماته.
حين تفشل المناهج، لا يفشل القادة وحدهم… بل تُولد أزمة القيادة نفسها. ومن يريد قيادة فعّالة ومستدامة، عليه أولاً أن يعيد تصميم العقلية التعليمية، ويصنع من المنهج أداة لصناعة المستقبل، لا مجرد قائمة مهارات للحاضر.













Discussion about this post