بقلم: فاطمة يوسف بصل
الأمانة كلمةٌ قصيرة في اللفظ، لكنها بعيدة الأثر في المصير؛ تُضيء الحياة حين تُصان، وتُعتمها حين تُخان. ليست شعارًا يُعلّق على جدارٍ رسمي، ولا قَسَمًا يُتلى في احتفالٍ عابر. الأمانة روحٌ شفافة؛ إن وُضعت في قلبٍ صادق أزهرت، وإن أُلقيت في نفسٍ ضيقة اختنقت. هي ميزانٌ خفيّ لا يُرى، لكن اختلاله يُسمع صداه في كل زاويةٍ من زوايا الحياة.
حين تُمنح الأمانة لغير أهلها، لا يحدث الانهيار دفعةً واحدة؛ بل يبدأ كتصدّعٍ صغير في جدار الثقة، ثم يتّسع حتى يُرى من بعيد. في إحدى المؤسسات، جلس على الكرسي رجلٌ يعرف كيف يبتسم للكاميرا، لكنه لا يعرف كيف يُصغي للحقائق. كان القرار عنده ردّة فعلٍ لا رؤية. فتعطّلت المشاريع، وتراكمت الأخطاء، وغادر المجتهدون بصمتٍ يشبه الاحتجاج الخفي. لم يكن الفشل صاخبًا… لكنه كان عميقًا، كجذرٍ فاسدٍ تحت شجرةٍ تبدو خضراء.
وفي مدرسةٍ أخرى، أُسندت أمانة العقول إلى معلّمٍ لا يرى في طلابه إلا أرقامًا. دخل الصفّ بلا دهشة، فخرج الطلاب بلا أسئلة. ومع مرور الوقت، تحوّل الفضول إلى خوف، والخيال إلى صمت. لم يُسجَّل ذلك في تقارير رسمية، لكنه كُتب في ذاكرة جيلٍ فقد ثقته بأن المعرفة يمكن أن تكون مغامرةً جميلة.
حتى في الفضاء العام، كم من مبادرةٍ وُلدت بنيّةٍ طيبة، ثم أُديرت بعقلٍ ضيّق؟ تُرفع الشعارات كبيرةً، لكن التنفيذ هشّ. تُعلن الأهداف نبيلةً، لكن الطريق إليها ملغومٌ بالمصالح. هنا لا تُخان الأمانة بصوتٍ عالٍ، بل تُستنزف بهدوء، حتى تصبح الكلمات أثقل من معناها.
الأمانة ليست مهارة إدارة فحسب، بل قدرةٌ على مقاومة الإغراء. هي أن تختار الصواب حين يكون مكلفًا، وأن تقول “لا” حين يكون الجميع مستعدًا للتصفيق لخطأٍ مريح. من لا يحتمل ثقل الضمير، لن يحتمل ثقل المسؤولية؛ ومن يطلب المنصب لذاته، غالبًا لا يرى في الأمانة سوى سلّمٍ للصعود.
ولأننا بشر، كثيرًا ما نُخطئ في الاختيار. ننجذب إلى البلاغة ونغفل الحكمة، إلى الحماسة وننسى الثبات. نمنح المفاتيح لمن يُحسن الطَّرْق، لا لمن يفهم البناء. فنكتشف متأخرين أن الضوء الذي حسبناه فجرًا لم يكن سوى ومضةٍ عابرة.
المجتمع الذي يُجلس الظلّ في مقعد الضوء يُربك معاييره. تختلط فيه القيمة بالمصلحة، والحقّ بالقرابة، والاستحقاق بالمجاملة. وعندها، لا تُهان الأمانة وحدها، بل تُهان فكرة العدالة ذاتها. يصبح النجاح استثناءً، والفساد اعتيادًا، والصمت حكمةً زائفة.
غير أن الأمل لا يموت. فكلما سقط اختيارٌ خاطئ، تعلّمنا أن الأمانة لا تُمنح لمن يطلبها بإلحاح، بل لمن يخشاها تواضعًا؛ لمن يسأل نفسه قبل أن يسأله الناس: هل أنا أهلٌ لها؟ فالأمانة ليست كرسيًا يُجلسنا أعلى، بل امتحانًا يُظهرنا كما نحن. إمّا أن نرتقي بها… أو تكشفنا. فالضوء لا يُستعار، بل يُستحق.
إذا استراح الظلُّ في مقعدِ الضياء
تاهت البوصلةُ… وضاعت الجهات
والنورُ لا يُجامِلُ أحدًا
إمّا أن يُنيرك…
أو يفضحك.












Discussion about this post