كتب رياض الفرطوسي
الإرادة ليست موجة حماس عابرة.
ليست قراراً نارياً في ليلةٍ عاطفية، ثم خموداً في صباحٍ بارد.
الحماس يشبه شرارة في ورقٍ يابس؛ يلمع بسرعة ويختفي بسرعة.
أما الإرادة فشيء أبطأ، أثقل، لكنه أصدق. هي نار تُبنى بهدوء، وتبقى مشتعلة حتى في الريح.
إذا أردنا أن نصنع إرادةً في أبنائنا، فلا بد أن نفهم ممَّ تتكوّن.
الإرادة ليست غريزة. إنها بناء.
ولها ثلاثة أعمدة لا تستقيم من دونها.
أولًا: الشغف
أن يكون للإنسان ما يعيش له، لا ما يعيش منه فقط.
لا يهم كثيراً مجال هذا الشغف؛ تجارة، علم، فكرة، مشروع، رسالة.
المهم أن يرى الابن أمامه إنساناً يتحرك بدافع داخلي، لا بدافع الراتب آخر الشهر.
الأب الذي يعمل فقط ليؤمّن المصروف، يورّث أبناءه عقلية الاستهلاك.
أما الذي يعمل لأنه يؤمن بما يفعل، لأنه يرى في عمله معنى، فإنه يورّثهم شيئاً أعمق: احترام الجهد.
الطفل لا يحفظ تفاصيل مشروعك، لكنه يلتقط نبرة صوتك حين تتحدث عنه.
لا يفهم تعقيداته، لكنه يرى التزامك، انضباطك، تركيزك.
هو لا يتشرّب الفكرة… بل يتشرّب موقفك من الفكرة.
وحين يرى فيك شغفاً صادقاً، يتعلّم أن يبحث عن شغفه هو أيضاً.
ثانياً: المثابرة
الشغف وحده لا يكفي.
كثيرون يبدؤون بحماس، قليلون يُكملون.
الحياة ليست طريقاً مفروشاً بالتصفيق.
ستأتي الخسائر، التأخيرات، الأخطاء، خيبات الأمل.
وهنا يُختبر البناء الداخلي.
المثابرة هي طول النفس.
أن تتعثر دون أن تنسحب.
أن تتباطأ دون أن ترتد.
أن تعيد المحاولة، ولو بصمت.
حين يرى الابن أباه يواجه العقبات دون انهيار، يتعلم درساً لا تمنحه الكتب:
السقوط ليس نهاية الطريق.
التراجع المؤقت ليس هزيمة.
المثابر قد تقلّ سرعته، لكن اتجاهه لا يتغيّر.
ثالثاً: الإحساس العالي بالمسؤولية
هناك من يعمل لأن الكاميرا تراقبه.
وهناك من يعمل لأن ضميره يراقبه.
الفرق بينهما عميق.
المسؤولية الحقيقية لا تحتاج شهوداً.
لا تحتاج تصفيقاً.
هي التزام داخلي، معيار ذاتي، رقابة من الداخل لا من الخارج.
حين يراك ابنك تنجز عملك بإتقان، حتى حين لا يراك أحد،
حين يراك تحترم وعدك، وتلتزم بكلمتك، وتؤدي واجبك كاملًا…
فأنت تزرع فيه شيئاً أثمن من النصائح.
عندها، سواء كنت حاضراً في البيت ساعات طويلة أم قصيراً،
فإن أثرك باقٍ.
لأنك منحتَه نموذجاً حياً، لا تعليمات نظرية.
التربية ليست خطبة أسبوعية.
ولا قائمة أوامر معلّقة على الجدار.
التربية انتقال عدوى صامتة.
عدوى الشغف،
وعدوى المثابرة،
وعدوى المسؤولية.
وحين تجتمع هذه الثلاثية في شخصية الأب أو الأم،
فإن الإرادة لا تحتاج إلى دروس خاصة.
هي تنمو تلقائياً في البيئة التي تراها يومياً.
لكن يبقى سؤال آخر ينتظرنا:
إذا كانت الإرادة تُبنى بالنموذج،
فكيف نوسّع أفق الأبناء خارج جدران البيت؟
وأي دور للمدرسة والعمل والتجربة في تشكيل هذه الشخصية.












Discussion about this post