كتب رياض الفرطوسي
ليست المنطقة اليوم على حافة انفجارٍ شامل، كما يحب البعض أن يتخيّل، ولا هي على أعتاب سلامٍ وشيك كما يتمنى آخرون. إنها ببساطة في المسافة الرمادية بين الاحتمالين؛ حيث تُستخدم الحرب كظلٍّ للتفاوض، وتُستثمر التسوية كأداة لشراء الوقت.
منذ اللقاء الذي جمع دونالد ترامب بـبنيامين نتانياهو، بدا واضحاً أن واشنطن لا تبحث عن حرب كخيار أول. الحديث عن أن المفاوضات ما تزال “الخيار المفضل” ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل إشارة سياسية مدروسة. الولايات المتحدة تعرف أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران لن تكون نزهة عسكرية، ولن تبقى محصورة في حدود جغرافية ضيقة.
وفي موازاة ذلك، جاءت جولات مسقط بين عباس عراقجي وستيف ويتكوف لتقول شيئاً أبعد من مجرد استمرار الحوار: هناك اعتراف متبادل بأن التفاوض ضرورة، لا مجاملة. الاقتصار على الملف النووي قد يبدو للبعض تنازلاً أمريكياً تكتيكياً، لكنه في جوهره إقرار بأن الأولويات تغيّرت، وأن إدارة الصراع أهم من توسيع عناوينه.
تلوّح واشنطن أحياناً بخيار الضربة المحدودة، الجراحية، “التأديبية”. غير أن السؤال المنطقي يفرض نفسه: ماذا ستفعل ضربة محسوبة ضد دولة خبرت العقوبات، وتكيّفت مع الضغوط، وبنت شبكة توازنات إقليمية تجعل أي تصعيد مخاطرة متعددة الاتجاهات؟ الحرب، حتى لو كانت محدودة، لا تأتي بنتائج مضمونة. أما طهران، فقد أثبتت خلال السنوات الماضية أنها تجيد اللعب على حافة الهاوية دون أن تسقط فيها.
إسرائيل تبدو الأكثر قلقاً. بالنسبة إلى بنيامين نتانياهو، أي تسوية لا تشمل الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي هي تسوية ناقصة. لكن هذا القلق بحد ذاته يكشف تحوّلاً في ميزان القراءة: لم يعد السؤال كيف يُحتوى النفوذ الإيراني بالكامل، بل كيف يُدار. وهذا فرق استراتيجي كبير.
في العمق، لا تبدو إيران في موقع من يستعجل المواجهة، ولا في موقع من يهرع إلى اتفاق بأي ثمن. هي تتحرك ببرودة أعصاب، تراهن على أن الوقت ليس عدواً مطلقاً لها. كل جولة مفاوضات جديدة تعني اعترافًا بدورها. وكل تهديد عسكري لا يتحول إلى فعل، يمنحها هامشاً أوسع للمناورة.
المنطقة إذن ليست بين نارين متقابلتين، بل بين إيقاعين: إيقاع التصعيد الكلامي، وإيقاع التفاوض البطيء. الأول يملأ العناوين، والثاني يرسم المسارات الفعلية. وفي هذه المسافة، تتشكل الوقائع.
قد تُستدعى حاملات الطائرات، وقد ترتفع النبرة السياسية، لكن الحسابات الباردة تقول إن كلفة الحرب أكبر من عوائدها، وإن التسوية – حتى لو كانت جزئية ومؤقتة – أكثر انسجاماً مع المزاج الدولي الراهن. وفي لعبة الكلفة والعائد، تميل الكفة لمن يحسن الصبر ويعرف حدود خصمه.
هكذا تبقى المنطقة معلّقة بين احتمالين، لكن ليس بالتساوي. فالحرب خيار يُلوَّح به، أما التسوية فهي مسار يجري تثبيته خطوة بعد خطوة. ومن يقرأ المشهد بهدوء، يدرك أن الثبات أحياناً أبلغ من الضجيج، وأن إدارة الأزمة قد تكون، في السياسة، شكلاً من أشكال الانتصار الصامت.

















Discussion about this post