#أسبوع_السينما
الإخراج السينمائي: من هندسة التقنية إلى شعرية الصورة
بقلم: بشرى طالبي
يقوم الإخراج السينمائي على تفاعل دقيق بين الحرفية التقنية والخيال الجمالي، حيث تتجلى التقنيات بوصفها أدوات أساسية لبناء المعنى. فاختيار زاوية الكاميرا ليس قراراً اعتباطياً، بل هو تحديد لموقع النظرة؛ فالزاوية العالية قد تُشعر بالهشاشة، والمنخفضة قد تُضخّم الحضور، أما مستوى العين فيوحي بالحياد أو التماهي. كذلك فإن حركة الكاميرا، من تتبع إلى دوران أو إمالة، تُسهم في توجيه انتباه المشاهد، وخلق دينامية سردية تُعزّز الإحساس بالحركة الداخلية للمشهد.
ثم تأتي الإضاءة بوصفها لغة خفية لتصوغ المناخ النفسي؛ فالإضاءة الخافتة قد تزرع الغموض والتوتر، بينما تمنح الإضاءة الحادّة وضوحاً وصراحة بصرية. أما الألوان فهي ليست مجرد زينة شكلية، بل حوامل رمزية تُحمّل الصورة بطبقات من الدلالة؛ فلكل لون طاقته الشعورية وقدرته على التأثير في وجدان المتلقي. وهنا تتكامل الإضاءة مع التكوين داخل الإطار، حيث يُرتّب المخرج العناصر وفق هندسة بصرية دقيقة توجّه العين وتُبرز مركز الثّقل الدرامي، مستفيداً من الفراغ والخطوط، وتوازن الكتل.
أما المونتاج فهو المساحة التي يُعاد فيها بناء الفيلم من جديد؛ فمن خلال القطْع بين اللقطات يتشكل الإيقاع، ويتحدّد الزمن السينمائي لتتولّد العلاقات الخفية بين الصور. إن المونتاج لا يربط المشاهد فحسب، بل يخلق المعنى بينها، ويصوغ الإحساس بالتوتر أو السكون، بالتسارع أو التأمل؛ لذلك اعتُبر المونتاج في تاريخ السينما قلبها النابض.
ولا يمكن إغفال دور المخرج في إدارة الممثلين، إذ يتجاوز الأمر إعطاء التعليمات إلى بناء رؤية أدائية متكاملة تنسجم مع روح العمل؛ فالمخرج يضبط الإيقاع التعبيري ويوجه الانفعالات ويخلق التوازن بين الأداء الفردي والانسجام الجماعي، بما يخدم الرؤية الكلية للفيلم.
غير أن الإخراج لا يقف عند حدود التقنية، بل يرتقي إلى مستوى الأسلوب والرؤية؛ ذلك أن لكل مخرج بصمته الخاصة التي تتجلى في اختياراته الجمالية وفي نظرته للعالم. إن الأسلوب البصري هو ترجمة لوعي فنّي يُحدّد طبيعة الصورة، وزاوية النظر، وطريقة بناء المشهد. ومن هنا يصبح الفيلم خطاباً شخصياً يعكس حساسية المخرج وفلسفته. وتبرز أيضاً قدرة المخرج على تطوير القصة بصرياً، بحيث لا تكون الصورة تكراراً للنص، بل امتداداً له وتأويلاً بصرياً لدلالاته. فالسينما لا تحكي بالكلمات بقدر ما تحكي بالضوء والحركة والصمت. وهنا نستحضر مقولة أندريه تاركوفسكي عن السينما بوصفها نحتاً في الزمن، حيث يعيد المخرج تشكيل اللحظات فيمدها أو يضغطها ليخلق تجربة شعورية تتجاوز التسلسل الزمني الواقعي.
في النهاية، يمكننا القول إن الإخراج السينمائي هو فن الجمع بين العقل والحسّ، بين التخطيط الدقيق والانفعال الخلّاق. إنه ممارسة واعية للغة الفيلم وقواعد الشاشة، مقرونة برؤية إبداعية قادرة على تحويل النص إلى تجربة بصرية وإنسانية متكاملة. وبهذا المعنى يظل المخرج صانع العالم السينمائي، والمهندس الذي يمنح الصورة روحها، ليجعل من الزمن مادة قابلة للتشكيل الفني.
المراجع:
– مبادئ الإخراج السينمائي (محاضرات) للدكتور سليم شنة.
– الإخراج السينمائي الحرية والإبداع للكاتبين:
ا د.ماهر مجيد ابراهيم و د.نورس صفاء عبد الجبار.
بشرى طالبي
تحرير / دعاء محمود

















Discussion about this post