إشراقةُ يومٍ جميل
بقلم: د. محمد عبد العزيز
السودان
حينَ ينسلُّ الفجرُ من أهدابِ الليلِ كما تنسلُّ البِشرى من بينِ شفتي أمٍّ رَؤوم، وتتنفَّسُ الأرضُ أنفاسَها الأولى بعد سُهادٍ طويل، تُشرقُ في النفسِ شمسٌ أخرى غيرُ تلك التي تُضيءُ الآفاق؛ شمسٌ من رجاءٍ تُبدِّدُ ما علقَ بالقلبِ من غبارِ الأسى، وتغسلُه بندى الطمأنينةِ كما يغسلُ المطرُ وجهَ الروضِ بعدَ هجير.
ما أعجبَ هذا الفجر! كأنَّه صفحةٌ بيضاءُ من كتابِ القدر، يُملي اللهُ فيها ما شاء من الآمال، ويخطُّ الإنسانُ فيها ما استطاع من الأعمال. تنسابُ خيوطُ الضوءِ على سُطوحِ البيوتِ كأصابعِ حانيةٍ تُوقظُ النائمين، وتُداعبُ وجوهَ الأطفالِ في مهودِهم، وتربتُ على كتفِ العاملِ المُجدِّ وهو يتهيَّأُ لسعيه، فتقولُ له في همسٍ رقيق: “امضِ، فإنَّ في السعيِ بركةً، وفي الأملِ حياة.”
وتخرجُ الطيورُ من أوكارِها مُسبِّحةً بحمدِ ربِّها، كأنَّها جوقةٌ من أنغامِ الطبيعةِ تُحيِّي مولدَ النهار. فلا تسمعُ في الكونِ إلا خفقَ أجنحةٍ، أو خريرَ ماءٍ، أو همسةَ نسيمٍ يُقبِّلُ أوراقَ الشجر، فينحني الغصنُ شاكرًا، وتبتسمُ الزهرةُ مُشرئبَّةً نحو الشمسِ كعروسٍ ترفعُ خمارَها لأولِ مرة.
وفي تلك الساعةِ المباركة، يشعرُ المرءُ أنَّ الحياةَ لم تُخلَق لتكونَ عبئًا على كاهله، بل رسالةً في يده، وأنَّ الأيامَ ليست سلاسلَ تُقيِّده، بل سلالمَ يرقى بها إلى معارجِ الكمال. كم من قلبٍ أثقلتهُ الهمومُ في الليل، فلمَّا أطلَّ الصبحُ عليه، تبدَّلت أحزانُه خفَّةً، كأنَّ نورَ الفجرِ قد تسلَّلَ إلى تجاويفِه، فأشعلَ فيها مصباحَ اليقين!
إنَّ إشراقةَ يومٍ جميلٍ ليست في صفاءِ السماءِ وحدَه، ولا في اعتدالِ الهواء، ولا في ابتسامِ الطبيعةِ فحسب؛ إنَّها قبلَ ذلك كلِّه في صفاءِ الضمير، وهدوءِ النفس، وصدقِ النيَّة. قد يُظلِلُ السحابُ وجهَ الشمس، ولكنَّه لا يحجبُها عن قلبٍ امتلأ نورًا، ولا يُطفئُ بريقَها في عينٍ تعلَّمت أن ترى الجمالَ في كلِّ شيء.
ما أكرمَ الصباحَ حينَ يهبُ الإنسانَ فرصةً جديدةً ليُصحِّحَ خطأً، أو يُرمِّمَ علاقةً، أو يزرعَ بسمةً في وجهِ حزين! كأنَّ الزمنَ في إشراقتِه يقولُ لنا: “لم ينتهِ كلُّ شيء، وما زال في العمرِ متَّسعٌ لخيرٍ تُقدِّمونه، أو كلمةٍ طيِّبةٍ تُلقونها، أو دمعةٍ تجفِّفونها.” فيا لَه من واعظٍ صامتٍ لا يملُّ التذكير، ولا يضجرُ من التكرار!
وإذا أشرقتِ الشمسُ وامتدَّ ضياؤها على مدِّ البصر، رأيتَ في الأفقِ لوحًا من ذهبٍ سائل، كأنَّ السماءَ سكبت كنوزَها على الأرض، لتقولَ للإنسان: إنَّ الخيرَ كثير، ولكنَّ العيونَ هي التي تضيقُ عنه إن ضاقتِ القلوب. فوسِّعوا صدورَكم للنور، تُوسِّع لكم الحياةُ آفاقَها.
هكذا يمضي اليومُ الجميل، لا لأنَّه خلا من تعبٍ أو كدر، ولكن لأنَّ في طيَّاته روحًا تُعينُ على الاحتمال، ونورًا يُهوِّنُ كلَّ ثقل. فإذا ما أقبلَ المساءُ وطوى النهارُ صحيفتَه، كان في القلبِ من الرضا ما يجعله يبتسمُ للغدِ قبلَ أن يجيءَ، ويثقُ بأنَّ الفجرَ سيعودُ، وأنَّ إشراقةً أخرى ستُولد، تحملُ معها وعدًا جديدًا لمن أحسنَ الظنَّ بربِّه، وأحسنَ السعيَ في يومِه.
فطوبى لمن استقبلَ الصباحَ بقلبٍ شاكر، وعينٍ متأمِّلة، وعزمٍ لا يفتر؛ فإنَّ في كلِّ إشراقةِ يومٍ جميلٍ حياةً تتجدَّد، وأملًا يتخلَّق، وروحًا تُبعثُ من جديد.


















Discussion about this post