كتب رياض الفرطوسي
في السياسة الشمولية لا يُناقش الخصم، يُعرّى. لا يُفكك رأيه، تُفكك سمعته. كأن المعركة ليست على فكرة، بل على صورة في أذهان الناس. الصورة أهم من الحقيقة، والوشاية أعلى من الوثيقة.
السبب بسيط ومُرعب في آن. المواجهة الفكرية امتحان، والتشهير مسرحية. في الامتحان قد تخسر، أما في المسرحية، يُوزع الأدوار ويُحدد من هو الملاك ومن هو الشيطان. الفكرة تحتاج عقلاً، أما الفضيحة فتحتاج جمهوراً متعطشاً.
لننظر إلى التجربة النازية. في النظام الألماني النازي، كان جوزيف غوبلز وزيراً للدعاية، لا منظّراً يجلس إلى طاولة جدل، بل مهندس صورة يصوغ العدو كما تُصاغ الأسطورة. لم يكن معنياً بإقناع الألمان عبر حوار فلسفي، بل بصناعة كراهية منظمة تجاه خصومه الاجتماعيين والسياسيين. اليهود لم يُقدَّموا كمنافسين اقتصاديين أو سياسيين، بل كرموز لخطر مزعوم، وهو ما سهّل على آلة الدعاية إقناع الجمهور بقبول إجراءات النظام القمعية، دون الحاجة إلى نقاش عقلاني. الدعاية لم تكن ملحقاً بالسلطة، بل شريانها السري، العقل الذي يهيئ المجتمع لتقبّل ما لا يُقبل.
وفي الولايات المتحدة خلال حقبة المكارثية، لم يكن المطلوب إثبات تهمة بقدر ما كان يكفي الاشتباه. السينمائي أو الأكاديمي الذي يُلمّح إلى اسمه في جلسة استماع يفقد عمله قبل أن يقول كلمته. الاتهام بالشيوعية لم يكن نقاشاً فكرياً حول العدالة الاجتماعية، بل لطخة أخلاقية تمس الوطنية والشرف. هكذا يُختصر الفكر في شبهة.
في العالم العربي، اتخذ الأمر أشكالاً أكثر فجاجة. في مصر الستينيات، وُسم بعض المعارضين للإيديولوجيا الرسمية بالانحلال أو العمالة، لا لأنهم كتبوا نصاً ضعيفاً، بل لأنهم كتبوا نصاً مختلفاً. وفي ليبيا عهد معمر القذافي، كانت اللجان الثورية لا ترد على رأي، بل تعلن أن صاحبه “كلب ضال” أو “خائن للأمة”، ثم يختفي الرجل من المشهد، أحياناً من الحياة. في العراق زمن صدام حسين، كان بيان واحد كافياً لتحويل طبيب أو أستاذ جامعي إلى عنوان رذيلة في نشرة أخبار مسائية. التهمة الأخلاقية كانت أقسى من الرصاصة، لأنها تقتل الاسم في ذاكرة الجيران.
الجامع بين هذه التجارب ليس الأيديولوجيا، بل العقلية. المختلف خطر لأنه يفضح هشاشة السردية. وجوده اعتراف ضمني بأن الحقيقة ليست ملكاً حصرياً للحزب أو الزعيم. لذلك يُستبدل الجدل بالتجريم، ويُستبدل السؤال بالوصم.
التشهير أداة فعالة في مجتمعات تفتقر إلى تقاليد قانونية راسخة. حين تغيب ثقافة الدليل، يكفي مقطع مجتزأ أو تسجيل غامض. الناس لا تملك الوقت لقراءة ملف من مئتي صفحة، لكنها تتداول خبراً صادماً في ثوان. وهنا يتحول الجمهور من متلقٍ إلى شريك في الجريمة. يضغط زر المشاركة، ويظن أنه يمارس حقه في التعبير، بينما هو يضيف حجراً جديداً إلى جدار عزل إنسان ربما لم يُمنح فرصة الدفاع.
الأنظمة الشمولية تفهم هذا جيداً. هي لا تسعى فقط إلى إسكات المعارض، بل إلى إرسال رسالة للآخرين. انظروا ماذا نفعل بمن يخرج عن الصف. إنها سياسة ردع رمزية. الضحية فرد، لكن المستهدف الحقيقي هو الخيال الجمعي.
المفارقة أن هذا السلوك يكشف خوفاً عميقاً. النظام الواثق لا يحتاج إلى فضيحة جاهزة. الحزب الذي يملك مشروعاً حقيقياً لا يخشى مناظرة. أما حين يصبح الاختلاف تهديداً وجودياً، فذلك اعتراف غير مباشر بأن البنيان هش، وأن سؤالاً واحداً قد يهزه.
التاريخ يملك حساً ساخراً. كثير من الذين شُهر بهم عادوا لاحقاً رموزاً فكرية أو أخلاقية. وكثير من صانعي الفضائح ذابوا في هوامش الكتب. الفكرة التي تُحارب بالتشويه غالباً ما تعيش أطول من جلاديها، لأنها وُلدت من نقاش، لا من نشرة اتهام.
في النهاية، اغتيال السمعة ليس شطارة سياسية، بل إعلان عجز. إنه اعتراف بأن الحجة ضعيفة إلى درجة تحتاج إلى قناع. الأفكار تُهزم بأفكار، لا بملفات صفراء. ومن يعتاد إحراق الناس أخلاقياً، سيكتشف متأخراً أن النار لا تعرف صاحبها.

















Discussion about this post