كتب رياض الفرطوسي
ليس المستقبل صندوقاً مغلقاً في آخر الطريق، ولا هدية مؤجلة ننتظر أن تصلنا بالبريد. المستقبل قرار، يتشكل كل صباح في الطريقة التي نفكر بها، وفي الجرأة التي نختارها، وفي السياسات التي نكتبها، وفي الفرص التي لا نخاف من اقتحامها.
حين يُستعاد قول ألبرت أينشتاين، إنني أهتم بالمستقبل لأنني سأقضي بقية حياتي فيه، فالمقصود ليس التأمل الفلسفي، بل الانضباط العملي. الاهتمام بالمستقبل يعني أن تعيد ترتيب الحاضر، أن تضع كل خطوة اليوم تحت ضوء ما يمكن أن يحدث غداً.
الخطأ الشائع أن نتعامل مع المستقبل كقدر مكتوب، أو كمساحة غيبية لا يجوز الاقتراب منها. والحقيقة أن بين الغيب والتخمين مساحة واسعة اسمها الاحتمال. هنا يولد علم الاستشراف، لا بوصفه علماً دقيقاً، بل أداة تفكير منهجية تحاول أن تضيء الحاضر بأنوار الممكن.
المفكر الفرنسي ميشيل جودي لخص الفكرة بدقة، الاستشراف هو تنوير الفعل في الحاضر بأنوار احتمالات المستقبل. أي أن السؤال ليس ماذا سيحدث، بل ماذا سنفعل إذا حدث كذا، وماذا سنفعل إن سار العالم في اتجاه مختلف.
في القطاع غير الربحي، تبدو هذه الفكرة أكثر إلحاحاً. لأنه قطاع يعيش بين المثال والواقع، بين الطموح الأخلاقي والقيود المالية، بين حماس المتطوعين وتعقيدات اللوائح. إذا لم يقرر هذا القطاع كيف يريد أن يكون بعد عشر سنوات، فسيجد نفسه كما يريده الآخرون.
التخطيط التقليدي يحب المستقبل المرغوب فقط، يكتب رؤية أنيقة ويعلّقها على الجدار، ثم يتمنى أن ينحاز العالم إليها. أما الاستشراف فيفترض أن العالم قد لا يكون متعاوناً، وأن الأزمات ليست استثناء بل جزء من القاعدة. أزمة مالية، جائحة، تحولات اجتماعية عميقة، كل ذلك يمكن أن يعيد رسم المشهد في ليلة واحدة.
لذلك، المستقبل ليس وعداً بالتحسن التلقائي، ولا تهديداً حتمياً بالانهيار. هو مساحة قرار. والقرار يبدأ من الاعتراف بحقيقة بسيطة، أننا لا نملك التحكم الكامل في ما سيأتي، لكننا نملك التأثير في الطريقة التي نستعد بها له.
من هنا تبدأ صناعة الغد. ليس من الحلم، بل من الاختيار. وليس من التوقع، بل من الفعل.
















Discussion about this post