د. بسام أبو عبد اللّه
في خضم الجدل الأميركي ، والعالمي الحاد حول شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، بين من يراه زعيما” شعبويا” متهورا” ومن يعتبره سياسيا” براغماتيا”صادما”، يأتي كتاب Trump’s Ten Commandments للبروفيسور Jeffrey Sonnenfeld، أستاذ القيادة في Yale School of Management، ليقدم قراءة مختلفة تقول : ترامب ليس مجنونا”، بل يعمل وفق قواعد استراتيجية متكررة يمكن رصدها وتحليلها علميا” .
سوننفيلد، أحد أبرز الباحثين في سلوك القادة التنفيذيين ومؤسس معهد قيادة الرؤساء التنفيذيين في جامعة ييل، ينقل أدوات تحليل القيادة من عالم الشركات إلى عالم السياسة. والكتاب، المقرر صدوره رسميا” في 31 مارس/آذار 2026، يفترض أن ما يبدو ارتجالا” أو فوضى في سلوك ترامب هو في الواقع منظومة “وصايا” تشغيلية ثابتة تحكم طريقته في التفاوض والإدارة وبناء الصورة العامة.
أولا” – نموذج “المحور والعلاقات” (Hub-and-Spokes Model). في هذا النموذج تتمركز السلطة حول القائد، ويدور بقية الفاعلين حوله كمحاور فرعية. خلال ولايته الرئاسية الأولى ، ظهر ذلك في كثرة تبدل المستشارين وبقاء القرار النهائي بيده . الولاء الشخصي كان معيار الثقة، والوصول المباشر إليه هو مصدر النفوذ الحقيقي.
ثانيا” – البدء بالضربة القصوى (First Punch Strategy). يفتتح التفاوض بمطلب صادم يعيد تعريف سقف النقاش. في ملف الرسوم الجمركية مع الصين، وفي مسألة تمويل الجدار الحدودي، بدأ بمواقف قصوى، ثم سمح بهوامش تراجع تكتيكية، فبدا أي حل وسط لاحق إنجازا”.
ثالثا” – فرّق تسد (Divide and Conquer). استثمر الانقسامات داخل الكونغرس، وبين أجنحة الحزبين ، وأحيانا” بين الحلفاء الدوليين، لتفكيك الكتل المقابلة. هذه المقاربة تخفف من قوة الجبهة المواجهة، وتجعل التفاوض ثنائيا” بدل أن يكون جماعيا” .
رابعا” – اختطاف الصفقة (Art of Stealing the Deal). يعيد تعريف الاتفاق أثناء التفاوض أو بعده. إعادة التفاوض حول اتفاقية “نافتا” وتحويلها إلى USMCA مثال واضح : الاتفاق الجديد لم يكن انقلابا” كاملا” على القديم، لكنه أعيد تسويقه سياسيا” كتحول جذري وإنجاز شخصي.
خامسا” – الأصدقاء والخصوم والأدوار المتبدلة (Friends, Foils, and Foes). العلاقات عند ترامب ليست ثابتة ، يمكن أن يمتدح زعيما” اليوم وينتقده غدا”إذا تغيرت المعادلة . هذا النمط ظهر بوضوح في الساحة الدولية خلال الأسابيع الأخيرة . ففي منتدى دافوس 2026 الذي عقد في Davos ضمن فعاليات World Economic Forum، قدّم خطابا” هجوميا”على السياسات الأوروبية في الطاقة والهجرة، وطرح رؤى تتعلق بإعادة تعريف بعض الالتزامات والتحالفات، مستعرضا” ما اعتبره أولوية “المصلحة الأميركية ”. الردود الأوروبية تراوحت بين التحفظ والانتقاد، خصوصا” في ظل حديث كندي وأوروبي عن ضرورة “تنويع الاعتماد الاستراتيجي”. وفي مؤتمر ميونيخ للأمن 2026 طُرحت بشكل صريح مسألة مستقبل العلاقة عبر الأطلسي، وتحدث عدد من القادة الأوروبيين عن الحاجة إلى تعزيز “الاستقلال الاستراتيجي” الأوروبي في حال استمرار المقاربة الأميركية التصادمية. هذه الأمثلة تعكس كيف تتحول الوصية الخامسة إلى أداة ضغط تفاوضي، لكنها في الوقت ذاته تثير قلق الحلفاء.
سادسا” – جدار الضجيج (Wall of Sound Strategy). عبر التصريحات اليومية، والمؤتمرات الصاخبة، والنشاط المكثف على وسائل التواصل، يُغرق الفضاء الإعلامي بكمٍّ من القضايا يجعل تثبيت قضية واحدة أمرا”صعبا”. هذا الأسلوب يمنح أفضلية تكتيكية، لكنه يسهم في إنهاك المجال العام.
سابعا” – عقلية الرابحين والخاسرين (Winners and Losers Framework). خطاب يقوم على ثنائية النجاح والفشل. يصف المدن أو الإدارات المعارضة بالفاشلة، ويقدّم نفسه بوصفه تجسيدا” للنجاح. هذه اللغة تبني تعبئة شعبوية فعّالة، لكنها تعمّق الاستقطاب.
ثامنا” – تأثير النائم (Sleeper Effect). التكرار المستمر لرواية معينة، حتى وإن واجهت تشكيكا”يعزز حضورها في وعي الجمهور. في ملفات انتخابية واقتصادية، اعتمد ترامب على هذا الأسلوب لترسيخ قناعات لدى قاعدته.
تاسعا” – سلطان الإهانة (Sultan of Insult Strategy). استخدام الألقاب الساخرة ضد الخصوم ليس انفعالا” فقط، بل تكتيكا” لإضعاف صورتهم وتحفيز الجمهور المؤيد. هذا الأسلوب يعيد تعريف السجال السياسي بلغة حادة.
عاشرا” – دونالد العظيم (Donald the Great Persona). بناء صورة القائد الذي لا بديل عنه. عبارة “I alone can fix it” أنا وحدي قادر على حل الأمر ، تلخص هذه الفلسفة، حيث تندمج الهوية الوطنية بصورة الزعيم.
حادي عشر – غير أن النقاش الأكاديمي والسياسي يتجاوز توصيف هذه الوصايا إلى سؤال أعمق : هل قراراته شخصية بحتة ، أم تعبير عن توجهات مؤسسات الدولة الأميركية؟ كثير من خبراء العلاقات الدولية يرون أن العامل الشخصي قوي في الأسلوب والخطاب والتوقيت، بينما تبقى السياسات الكبرى نتاج تفاعل مع مؤسسات راسخة: البنتاغون، وزارة الخارجية، أجهزة الاستخبارات، والكونغرس. أي أن “الوصايا” تحدد الإطار التكتيكي ، لكن القرار النهائي يمر عبر قنوات مؤسساتية. هنا يتداخل الشخصي بالمؤسسي ، فترامب يضخم حضوره ، لكن بالطبع لا يمكن عزله عن بنية مؤسسات الدولة .
ثاني عشر – أما عن النجاح والفشل، فمنتقدوه يعترفون بأن بعض هذه الاستراتيجيات حققت مكاسب قصيرة المدى مثل إعادة التفاوض على اتفاقات تجارية ، جذب استثمارات، فرض قضايا الهجرة والتجارة في صدارة النقاش العام، وتحريك الحلفاء لتحمل أعباء دفاعية أكبر. هذه تُحسب – وفق أنصاره – لنجاعة “الضربة الأولى” و”الضغط الأقصى”.
لكن في المقابل، يرى المنتقدون أن الكلفة الاستراتيجية ستكون مرتفعة ، من خلال :
١ – تصاعد الاستقطاب الداخلي وتآكل الثقة بالمؤسسات
٢ – توتر العلاقات مع حلفاء تقليديين ودفع بعضهم إلى البحث عن بدائل أو تعزيز الاستقلال الدفاعي.
٣ – إضعاف الثقة بالالتزامات الأميركية طويلة الأمد، ما قد ينعكس على موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي.
٤ – رفع منسوب المخاطر في الأزمات الحساسة، حيث قد يؤدي التصعيد اللفظي أو الاقتصادي إلى سوء تقدير متبادل.
بمعنى آخر: قد تنجح هذه الوصايا في تحقيق مكاسب تفاوضية آنية، لكنها قد تخلق بيئة دولية أكثر هشاشة، ونظاما” داخليا” أكثر استقطابا” . هنا تكمن المخاطرة: تحويل السياسة إلى إدارة صدمات مستمرة بدل إدارة توازنات مستقرة .
ثالث عشر- وأخيرا” – الخلاصة أن كتاب سوننفيلد لا يقدّم دفاعا” عن ترامب ولا إدانة له، بل يطرح إطارا” لفهمه الفهم الضروري ، لأن التعامل مع قيادة تصادمية عالية المخاطرة يتطلب إدراك منطقها وحدودها. وبين من يرى في هذه الوصايا إعادة تعريف للقوة الأميركية، ومن يعتبرها مغامرة قد تعيد تشكيل موقع الولايات المتحدة عالميًا، تبقى عبارته الشهيرة معبّرة عن فلسفته: “Sometimes by losing a battle you find a new way to win the war” — أحيانا” ، عندما تخسر معركة ، تجد طريقة جديدة للانتصار في الحرب .















Discussion about this post