حين يرنّ الهاتف حاملاً قدرا” ثقيلا”، يتحوّل الصوت إلى مفترق روح، وتصير الثواني مساحة إختبار للمعنى الإنساني. هناك، عند الحدّ الفاصل بين الفقد والنجاة، يكتشف المرء حجم قلبه، ويقيس العالم بميزان التضحية.
جاء الأتصال كريحٍ سوداء تدخل بيتا” دافئا”. كلمات التهديد حملت خيارا” قاسيا”:
موتٌ يقع على فرد، أو مصيرٌ يمتدّ إلى عائلة كاملة. في تلك اللحظة، صار الزمن ضيّقا” كحدّ السيف، وصار القرار بحجم عمرٍ كامل.
أحمد ترمس وقف أمام قدره كما يقف إنسان أمام مرآة روحه. زوجته بقربه، وجوه الأهل حوله، تفاصيل حياة يومية تشهد على أحلام صغيرة ومودّة صادقة. ثمّ فجأةً، تحوّل كلّ شيء إلى سؤال واحد: من يبقى تحت الشمس؟
الأختيار هنا يحمل جوهر الأبوة والحبّ والإنتماء. روحٌ تضع نفسها درعا” كي تمرّ العاصفة بعيدا” عن الآخرين. تضحية تشبه صلاة صامتة، فيها يقين بأن بقاء الأحبّة أمتداد للحياة حتى إن غاب الجسد.
لحظة الوداع غالبا” تمرّ بهدوء عميق. نظرة طويلة تختزن ملامح الوجوه، إبتسامة خفيفة تخفي سرّا” كبيرا”، وربما لمسة يد تقول ما تعجز عنه اللغة. الذين يعرفون إقتراب الرحيل يصيرون أكثر صفاءً، كأن الروح ترتّب حقائبها بهدوء.
النظرة الأخيرة تحمل وداعا” للعالم كلّه: للجدران التي حفظت الضحكات، للأيام التي مرّت سريعا” ، للأحلام المؤجّلة. نظرة إنسان فهم أن القيمة الحقيقية تكمن في أثره داخل قلوب أحبّته.
داخل النفس دار حديث صامت:
ليكن الرحيل حارسا” لأرواحهم،
ليكن الأسم جسرا” يعبرون عليه نحو أيام آمنة،
ليكن الفقد محصورا” في جسد واحد بدل قلوب كثيرة.
هكذا يتحوّل الإنسان من رقم في خبر عاجل إلى معنى حيّ في ذاكرة الناس. التضحية ترفع صاحبها إلى مقام الحكاية التي تُروى طويلا” ، حيث يصير الحبّ فعلا” ملموسا” ، ويصير الإيثار لغة أبلغ من الخطب.
القصة في جوهرها حكاية إنسان أختار أن يمنح الآخرين فرصة أستمرار. قرار بحجم وطن صغير يسكن عائلة. ومن قلب هذا الألم يولد معنى عميق: الحياة تُقاس بقدر ما يُعطى فيها، وبقدر الأمان الذي يُترك في قلوب من نحب.
وإذا أضفنا زاويةً أخرى للصورة، يظهر سؤالٌ موجع لا يقلّ قسوة عن الجريمة نفسها: أين ردّة فعل الدولة؟ لماذا يبدو الدم الفرديّ دائما” أقلّ وزنا” من الحسابات السياسية؟ ما جرى مع أحمد ترمس ليس حادثا” معزولا” ، بل حلقة في سلسلة طويلة من الأنتهاكات التي تمرّ غالبا” بلا مساءلة حقيقية. صمت الحكومة اللبنانية أو أكتفاؤها ببيانات خجولة يفتح بابا” خطيرا” لتكرار المشهد، لأن غياب الموقف الصارم يُفهم كضعف أو عجز أو إرتهان لميزان قوى أكبر. في المقابل، تستمر إسرائيل في فرض معادلاتها على الأرض مستندتا” إلى واقع إقليمي ودولي معقّد. بين هذا وذاك، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، يدفع ثمن الصمت بدمه، وثمن التوازنات بأعصابه وأمانه. وحين لا تتحوّل الجريمة إلى قضية دولة، بل تبقى في إطار الأسى الشعبي، يصبح الخوف أن ما حدث ليس الأخير، بل نموذجا” لما يمكن أن يتكرّر.
نضال عيسى

















Discussion about this post