سعيد فارس السعيد
إن المواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تعد مجرد صراع تقليدي، بل مختبر عملياتي للحرب الهجينة في القرن الحادي والعشرين. ما يجري اليوم يمثل أول 72 ساعة من سيناريو محتمل يمكن أن يحدد ملامح الأمن الإقليمي والعالمي، وهو اختبار حقيقي لتوازنات الردع التقليدية وغير التقليدية.
الولايات المتحدة تمتلك التفوق التقني الساحق: حاملات طائرات ضخمة، طائرات F-35 متطورة، شبكات اتصالات فضائية لحظية، وقدرة على شن ضربات دقيقة ضد أي هدف بعيد. إيران، في المقابل، تعتمد على الردع غير المتكافئ: صواريخ فرط صوتية، غواصات مجهزة بصواريخ وألغام، قدرات سيبرانية وكهرومغناطيسية تعقّد أي تدخل أمريكي، واستراتيجية “الإغراق والتعمية” في العمق العسكري والجغرافي للخصم.
__القدرات الصاروخية الفرط صوتية والغواصات.
إيران طورت صواريخ فرط صوتية قادرة على المناورة خلال المرحلة النهائية من المسار، ما يجعل اعتراضها معقدًا جدًا بالنسبة لأي منظومة دفاعية متقدمة.
فالسرعة العالية تقلل زمن الإنذار، وتزيد الضغط على الدفاعات المعادية، وتعزز الردع النفسي والسياسي.
رغم ذلك، يبقى عامل العدد ودرجة جاهزية هذه الصواريخ عاملًا محدودًا مقارنة بالقدرة الأمريكية على الاعتراض.
فالقدرات البحرية تشمل غواصات ديزل–كهرباء وغواصات صغيرة للعمليات في المياه الضحلة.
هذه الغواصات قادرة على إطلاق طوربيدات وصواريخ بحر–بحر وزرع ألغام ذكية، ما يجعل أي تدخل بحري مكلفًا وخطرًا على الأطراف المعادية.
والدور الرئيسي لهذه الغواصات هو إنكار الوصول البحري وليس السيطرة البحرية الكاملة، لكنها تضيف عنصر مفاجأة ورفع الكلفة التكتيكية لأي مواجهة.
__القدرات الكهرومغناطيسية والحرب الإلكترونية.
إيران طورت قدرات متقدمة في الحرب الإلكترونية والتأثير الكهرومغناطيسي، تستهدف شبكات القيادة والسيطرة، أنظمة الملاحة، الاتصالات التكتيكية، وحتى الطائرات المسيّرة. هذه القدرات لا تهدف إلى شل كامل القوة الأمريكية، لكنها تعقد بيئة العمليات بشكل كبير، وتبطئ سرعة اتخاذ القرار، وتزيد احتمالات الخطأ.
تشويش الأقمار الصناعية والملاحة يقلل دقة الذخائر الموجهة.
تعطيل الشبكات التكتيكية يخلق “ضبابًا إلكترونيًا” يربك تحركات الطائرات والسفن.
والنبضات الكهرومغناطيسية المحدودة يمكن أن تعطل الأجهزة الإلكترونية في نطاقات معينة، خصوصًا في المياه الضيقة أو قرب القواعد.
النتيجة:
رفع كلفة أي تدخل، وزيادة احتمالات تصعيد غير مقصود، وجعل أي حرب محتملة أكثر خطورة على جميع الأطراف.
__المخاطر الاستراتيجية.
إن أي استخدام للأسلحة النووية أو الأسلحة المحرمة دولياً سيكون جريمة ضد الإنسانية، ويجر المنطقة بأكملها إلى حرب واسعة لا يمكن احتواؤها، مع تداعيات مدمرة على الأمن العالمي والاقتصاد.
وإن أي استهداف لرمز ديني أو سيادي في المنطقة لن يكون محليًا فقط، بل له انعكاسات مباشرة على مصالح أمريكا وحلفائها عالميًا، ويخلق ديناميات رد فعل استراتيجية متعددة الاتجاهات.
فالقدرات الأمريكية، رغم تفوقها الهائل في القوة الجوية والتقنية، لا تعني السيطرة المطلقة، لأن إيران تمتلك القدرة على إحداث تعطيل جزئي أو تعمية مؤقتة للأنظمة، وهو ما يجعل حسابات الضربة الأولى دقيقة جدًا، وكل خطأ فيه قد يؤدي إلى تصعيد سريع.
__الخلاصة الاستراتيجية:
الولايات المتحدة تملك التفوق التكنولوجي، لكن إيران تملك قدرة الإيذاء غير المتكافئ التي تعقد أي تدخل عسكري.
الصواريخ الفرط صوتية والغواصات والقدرات الكهرومغناطيسية والإلكترونية الإيرانية مما تجعل أي حرب محتملة أكثر خطورة، وأكثر تكلفة، وأكثر احتمالية للتصعيد غير المقصود.
___أما استخدام الأسلحة المحرمة دولياً أو استهداف الرموز الدينية والسيادية سيجر المنطقة إلى كارثة إنسانية واستراتيجية شاملة.
والقرار النهائي في أي مواجهة محتملة سيكون سياسيًا بامتياز؛
فالتكنولوجيا قد تبدأ الحرب، لكن السياسة وحدها هي التي تقرر كيف ومتى تنتهي قبل أن يحترق الجميع بنارها.
والرسالة واضحة لكل الأطراف: شرق الأوسط لا يحتمل شرارة جديدة، وكل خطوة يجب أن تقاس بعقلانية ومسؤولية، لأن تكلفة الخطأ ستكون كارثية و باهظة على الجميع.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”
24 شباط 2026

















Discussion about this post