كتب رياض الفرطوسي
الوطن ليس تراباً فقط، بل سؤالٌ قديم يتكرر بصيغٍ مختلفة كلما ابتعد الإنسان عن أرضه أو اقترب منها. إنه علاقة سرية بين الإنسان والمكان، شيء يشبه العهد غير المكتوب، يعرفه المرء حين يبتعد أكثر مما يعرفه وهو مقيم فيه. العراقي الذي يغادر بلاده يحملها معه كجرحٍ هادئ لا ينزف أمام الآخرين، لكنه لا يلتئم أيضاً. قد ينجح في عمله، وقد يستقر، وقد يطمئن إلى حياة منظمة، لكنه يظل يشعر أن شيئاً ما ينقصه، شيئاً لا تعوضه الراحة ولا يسده المال. الوطن، في النهاية، ليس أفضل الأمكنة دائماً، لكنه المكان الوحيد الذي يشعر فيه الإنسان أن وجوده طبيعي لا يحتاج إلى تفسير.
غير أن السؤال الأعمق في التجربة العراقية ليس سؤال الوطن وحده، بل سؤال المواطن. فمنذ عقود طويلة أخذ الفرد العراقي يتراجع خطوة بعد أخرى، حتى بدا كأنه اختفى خلف جدران السياسة الصلبة. في زمنٍ سابق كان العراقي يظهر باسمه وصوته واجتهاده، مفكراً أو شاعراً أو مهندساً أو معلماً يترك أثره الخاص. كان المجتمع مليئاً بالأفراد قبل أن يمتلئ بالتنظيمات، والاحزاب والتيارات ، وكانت المبادرات الشخصية جزءاً من حركة الحياة اليومية.
ثم جاء زمن طويل تعلّم فيه الناس كيف يعيشون داخل الجماعات بدل أن يعيشوا داخل أنفسهم. صارت الكتلة أقوى من الفرد، والانتماء أضمن من الاستقلال، والطاعة أكثر أماناً من التفكير الحر. ومع تعاقب الأنظمة والأزمات تشكلت طبقات من الخوف والحذر، حتى بدا المواطن أحياناً وكأنه مجرد ظل يتحرك داخل تاريخٍ صاخب لا يملك التأثير فيه.
ومع ذلك لم تختفِ روح الفرد تماماً. بقيت تظهر في زوايا غير متوقعة، في كتابٍ صغير يُكتب بصمت، في لوحة تُرسم بعيداً عن العيون، في فكرة تولد داخل رأس شاب لا ينتظر إذناً من أحد. حتى في أكثر الأزمنة قسوة ظل العراق ينتج شعراء ورسامين وروائيين وعلماء، كأن الأرض نفسها ترفض أن تتحول إلى صحراء روحية كاملة.
لقد مرت البلاد بتحولات عاصفة جعلت المواطن ينتقل من قبضة الدولة الصارمة إلى ازدحام القوى المتنازعة. لم يعد الفرد يواجه سلطة واحدة واضحة، بل سلطات متعددة تتقاطع فوق رأسه. ومع غياب الدولة المكتملة صار كثيرون يبحثون عن الحماية قبل أن يبحثوا عن الحرية، وهو اختيار مفهوم في بلدٍ عاش طويلاً على حافة الخطر.
لكن ما يبدو اليوم ضعفاً قد يكون في داخله بذرة قوة مؤجلة. فالمجتمع الذي جرّب كل أشكال السلطة يصبح أكثر قدرة على تمييز الوهم من الحقيقة. والتجارب القاسية تخلق ذاكرة حادة، والذاكرة الحادة هي بداية الوعي. وربما لهذا السبب بدأ سؤال الوطن يعود بقوة، لا كشعار سياسي فحسب بل كحاجة نفسية وأخلاقية. لم يعد الناس يريدون مجرد العيش، بل يريدون أن يعيشوا بكرامة داخل إطار واضح اسمه الدولة.
إن العراقي الذي يسأل اليوم عن الكهرباء والراتب والنظافة لا يطرح أسئلة صغيرة كما يبدو، بل يطالب بأبسط شروط الحياة الطبيعية. وهذه المطالب البسيطة هي في حقيقتها بداية السياسة الحديثة، لأن الدولة القوية لا تُقاس بخطبها بل بخدماتها. حين يبدأ المواطن بالمطالبة بحقه اليومي فإنه يتعلم تدريجياً معنى حقه الأكبر.
وإذا كانت الجماعات قد مزقت المجال العام زمناً طويلاً، فإن الحياة نفسها تعيد ببطء إنتاج الفرد. فكل شاب يبحث عن فرصة عمل، وكل طالبة تحاول أن تبني مستقبلاً، وكل عائلة تخطط لغدٍ أفضل، إنما تقوم بالفعل نفسه، استعادة حق الإنسان في أن يكون شخصاً لا مجرد تابع. هذه الحركة الهادئة قد لا تُرى في العناوين الكبيرة، لكنها تجري في العمق مثل ماءٍ يشق طريقه تحت الصخور.
العراق ليس بلاداً عابرة في التاريخ، ولا مجتمعاً بلا جذور. أرضه مليئة بآثار من عاشوا قبله وتركوا ما يدل عليهم، وكأن الماضي يذكّر الحاضر بأن هذه البلاد قامت دائماً على جهود أفراد عرفوا كيف يحولون الفوضى إلى عمران. الحضارات لم تبنها الجموع وحدها، بل بناها أشخاص امتلكوا الجرأة على أن يبدأوا.
لهذا فإن الطريق إلى وطنٍ حقيقي لا يبدو مستحيلاً كما يظن البعض. قد يكون طويلاً ومتعرجاً، لكنه يبدأ من نقطة واضحة، أن يستعيد العراقي ثقته بنفسه كمواطن قبل أي صفة أخرى. فعندما يعود الفرد إلى الظهور، بهدوء وثبات، يصبح للوطن شكل يمكن التعرف عليه من جديد.
ربما لا يولد الوطن دفعة واحدة، بل ينمو كما تنمو الأشجار، ببطء وصبر وجذور عميقة. وما دام العراقي ما زال يحلم بوطنه، وما دام اسم العراق يوقظ في داخله ذلك الشعور الغامض الذي لا يخطئه أحد، فإن الحكاية لم تنته بعد. وهكذا يبقى سؤال الوطن مطروحاً لا بوصفه لغزاً بلا جواب، بل بوصفه الطريق نفسه، السؤال الذي يقود العراقي إلى استعادة نفسه أولًا، وعندها فقط يمكن أن يجد وطنه.


















Discussion about this post