رمضانيات
اليوم الثامن
رمضان ومجاهدة النفس
د. محمد عبد العزيز
السودان
رمضان ليس مجرد صيامٍ عن الطعام والشراب، بل هو معركةٌ روحية يومية، معركة مجاهدة النفس. النفس البشرية بطبيعتها ميّالة إلى الراحة والشهوات، وإلى ما يلهيها عن طريق الله، لكن هذا الشهر يأتي ليذكرنا بأن الإنسان خُلِق ليصنع إرادته، وأن الانتصار على الهوى أسمى من الانتصار على الآخرين.
مجاهدة النفس في رمضان تبدأ بالوعي. كل يومٍ نصومه، كل رغبة نكبحها، وكل شعور بالغضب نسيطر عليه، هو تدريب على التحكم بالنفس. هذا التدريب لا يقتصر على الجسد، بل يشمل القلب والعقل أيضًا. فالنفس تختبر في كل حركة، كل كلمة، كل فكرة، لتعلمنا ضبط الذات، وتوجيه الطاقة نحو ما ينفع، بعيدًا عن الانغماس في الملذات العابرة.
الصيام يكشف خبايا النفس. حين يقف الإنسان بين يدي الله، يشعر بضعفه، ويكتشف ميوله، فيتعلم مواجهة شهواته بقوةٍ وإرادة. قد تكون المجاهدة صعبة في البداية، فالنفس تعارض، والرغبات تزداد إلحاحًا، لكن كل لحظة صبر عليها، وكل مقاومة حقيقية، تضيف إلى رصيد القوة الداخلية.
رمضان يعلمنا أن مجاهدة النفس لا تعني حرمانًا، بل تصفيةً للروح وتطهيرًا للقلب. حين نغلق على أنفسنا أبواب الانغماس في اللغو، الغضب، والحسد، نفتح نافذة للسكينة، ونترك مساحةً للنور أن يدخل حياتنا. تصبح المجاهدة بذلك تدريبًا يوميًا على نقاء القلب، ووسيلة لتعميق الوعي الروحي.
ومن أسرار هذه المجاهدة أنها ترتبط بالصبر والعبادة. كل ركعة صلاة، كل تلاوة آية، وكل دعاء مخلص هو جزء من تدريب النفس على الانضباط. وكلما واظب الإنسان على ذلك، يزداد تحكّمًا في ميوله، ويصبح أكثر قدرة على التوازن بين الجسد والروح، وبين الحاجة والإرادة.
رمضان يعلّم أيضًا أن مجاهدة النفس لا تقتصر على الانفصال عن المباحات، بل تشمل مواجهة المشاعر السلبية: الغضب، الكسل، القلق، والحسد. كل مرة نسيطر فيها على هذه النزعات، نكتسب حكمةً جديدة، وهدوءًا داخليًا، وإحساسًا أقوى بالرضا.
في هذا الشهر، يكتشف الإنسان أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على امتلاك كل شيء، بل في القدرة على التحكم في النفس، والتعامل مع الشهوات بإرادة واعية، وأن الانتصار على النفس هو أسمى انتصار يمكن أن يحققه.
في اليوم الثامن من رمضان، فلنجعل مجاهدة النفس هدفًا يوميًا. لنسعى إلى مواجهة رغباتنا بشجاعة، وضبط أفكارنا بإرادة، وتنقية قلوبنا بوعي. فكل خطوة نحو السيطرة على النفس، هي خطوة نحو القرب من الله، وكل لحظة مجاهدة، هي لبنة في بناء روح متوازنة ونقية.
تحرير/ دعاء محمود















Discussion about this post