في السادس والعشرين من شباط، يحلّ اليوم العالمي لكتابة الرسائل لكبار السن؛
يومٌ يبدو في ظاهره طريفًا، رقيقًا، أقرب إلى لفتة وجدانية عابرة في تقويم مزدحم بالأيام العالمية.
غير أنّه، في واقعنا السوري، لم يعد ترفًا عاطفيًا ولا مناسبة بروتوكولية، بل ضرورة أخلاقية، واستحقاقًا وطنيًا، وامتحانًا لوفائنا الجمعي.
في زمنٍ تسارعت فيه الإشعارات وتكاثرت الشاشات، تراجعت الحروف التي تُكتب باليد، تلك التي تحمل شيئًا من نبض صاحبها وارتجاف أصابعه ورائحة بيته.
كبار السن لا ينتظرون “إشعارًا” على واتساب، ولا يتقنون تصفح الماسنجر، ولا تعني لهم الرموز التعبيرية شيئًا. ما يعنيهم هو ورقةٌ تُطوى بعناية، سطرٌ يُكتب بحبرٍ صادق، ظرفٌ يُسلَّم إلى يدٍ تعرف قيمة اليد.
هؤلاء ليسوا مجرد فئة عمرية.
إنهم الجيل الذي بنى الأساسات حين لم تكن هناك رافعات حديثة، وحمل الأثقال حين لم تكن هناك ميزانيات. منهم من وقف على جبهة النار في حرب تشرين، ومنهم من حمل السلاح دفاعًا عن الوطن في أصعب المنعطفات، ومنهم من بنى المصانع والورشات والحقول، ومنهم من خطّ الفكر والأدب والبحث، فشكّل وعي أجيالٍ كاملة.
محاربون قدماء، عمّالٌ قدامى، أساتذة ومفكرون، رجال دولة وإدارة… رجال ونساء كتبوا سيرة البلاد بعرقهم وتضحياتهم.
واليوم، يجلس كثير منهم في بيوتٍ صامتة. بعضهم يعاني عزلةً قاسية، وبعضهم يختبر شعورًا مريرًا بالتهميش، وبعضهم – في مفارقة موجعة – يُعاد تعريفه لا بوصفه مساهمًا في البناء، بل بوصفه عبئًا أو متهمًا أو منسيًا.
كأنّ الذاكرة العامة أصابها خللٌ وظيفي، فصارت قصيرة المدى، لا ترى إلا الحاضر العاجل، وتنسى الرأسمال البشري الذي صاغ هذا الحاضر.
الرسالة المكتوبة ليست حنينًا إلى الماضي فحسب؛ إنها إعادة وصلٍ بين الأجيال. هي استثمار في رأس المال الاجتماعي، وترميمٌ لثقةٍ تآكلت، وإقرارٌ ضمني بأنّ الخبرة لا تُحال إلى التقاعد.
حين تصل رسالة إلى كبير سنّ، يشعر أنّه ما زال مرئيًا، مسموعًا، معتبرًا. يشعر أنّ ما فعله لم يُمحَ من الذاكرة، وأنّ الوطن الذي خدمه ما زال يتذكره، ولو عبر سطور قليلة.
في السادس والعشرين من شباط، لنجعل المبادرة عملية لا شعاراتية. لنكتب بأسمائنا، بخطوطنا، بلا وسائط رقمية. لنخاطب المحارب القديم الذي ما زال يحتفظ بوسامٍ في درجٍ خشبي، والعامل الذي تقوّست قامته فوق آلةٍ صناعية، والأديب الذي ملأ الصفحات فخفت صوته، والأستاذ الذي خرّج أجيالًا ولم يسأل عنه أحد. لنكتب لهم أنّهم ليسوا فائض تاريخ، بل أصل الحكاية.
قد لا تغيّر رسالةٌ واحدة مسار حياة، لكنها تعيد تعريف العلاقة. تعيد ترتيب الأولويات. تعلن أنّ الوفاء ليس شعارًا يُرفع، بل فعلًا يُمارس. في وطنٍ أنهكته التحولات، تبقى القيم هي البنية التحتية الأعمق: الاحترام، الامتنان، الاعتراف.
فلنُحيِ هذا اليوم لا بوصفه مناسبة رمزية، بل بوصفه التزامًا أخلاقيًا. لنكتب رسالةً، أو عشر رسائل. لنعيد الحبر إلى مكانته، والورقة إلى حرمتها، والكبار إلى صدر المشهد. ففي النهاية، الأمم التي تكرّم شيوخها، إنما تكتب رسالتها إلى مستقبلها.
حسين راغب الحسين

















Discussion about this post