بقلم / سعيد فارس السعيد
في تطور لافت، أعلن وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي اختتام جولة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بعد إحراز “تقدم ملحوظ”، مع الانتقال إلى مناقشات فنية الأسبوع المقبل في فيينا. هذا الإعلان لا يعكس مجرد تحرك دبلوماسي عابر، بل يشير إلى أن الإطار السياسي العام بات أقرب إلى التفاهم، وأن العقدة الحقيقية أصبحت تقنية وإجرائية.
لكن لفهم المسار التفاوضي الحالي، لا بد من ربطه بالمرتكز الذي تعتمده طهران في خطابها الرسمي
الفتوى السيادية الصادرة عن السيد علي الخامنئي.
حيث تُقدَّم هذه الفتوى داخل إيران باعتبارها تحريمًا شرعيًا قاطعًا لإنتاج وامتلاك واستخدام السلاح النووي، وهي — بحكم موقع السيد علي الخامنئي كقائد عام للقوات المسلحة — ليست موقفًا دينيًا فحسب، بل عقيدة استراتيجية ملزمة للمؤسسة العسكرية والسياسية معًا.
وفي السياق ذاته، جاءت تصريحات الرئيس الإيراني لتؤكد أن تحريم السلاح النووي يعني بوضوح أن طهران لن تصنع قنبلة نووية، بينما أشار علي شمخاني إلى أن الاتفاق ممكن إذا كان هدف المفاوضات حصرًا منع امتلاك سلاح نووي.
هنا تتكامل الرسائل:
التزام عقائدي في الداخل، سياسيًا وعسكريًا، واستعداد تفاوضي مشروط في الخارج.
_اللجان الفنية…
مفترق الطرق.
إن انتقال الملف إلى المستوى الفني في فيينا يعني أن النقاش لم يعد حول “المبدأ”، بل حول التفاصيل:
_نسب التخصيب المقبولة
_آليات التجميد أو التخفيض
_أنظمة الرقابة والتفتيش
_خطوات تخفيف العقوبات وجدولها الزمني
هذا النوع من الاجتماعات عادةً ما يكون المرحلة الحاسمة قبل إعلان اتفاق، لأن السياسة تضع العنوان، بينما التقنية تكتب النص النهائي.
_ويبقى دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية رقابيًا وعنصرًا مركزيًا في أي تفاهم قادم، إذ يشكل الجسر بين الالتزام الإيراني المعلن ومتطلبات الاطمئنان الدولي.
فالسيناريو المرجّح
إذا نجحت اللجان الفنية في تقليص الفجوات، فقد نكون أمام اتفاق مرحلي يقوم على:
تثبيت سقف محدد للتخصيب
توسيع آليات الرقابة
تخفيف مدروس للعقوبات
ضمانات متبادلة بعدم التصعيد
وهنا تبرز أهمية الفتوى السيادية، لأنها تمنح المفاوض الإيراني أرضية داخلية صلبة لتسويق الاتفاق باعتباره منسجمًا مع العقيدة الدينية والسيادية للدولة، لا تنازلًا تحت الضغط.
فالتحدي الحقيقي
التحدي لا يكمن فقط في صياغة البنود، بل في إدارة انعدام الثقة المتراكم.
فإذا كان هدف الأطراف بالفعل منع انتشار السلاح النووي، فإن المسار الحالي قد يفضي إلى تفاهم مستدام.
أما إذا توسعت الأهداف لتشمل إعادة رسم موازين النفوذ الإقليمي، فإن أي اتفاق سيظل هشًا وقابلًا للاهتزاز عند أول اختبار سياسي أو أمني.
خاتمة القول:
إن اللحظة الراهنة تمثل اختبارًا لجدية الجميع.
فالتقدم الملحوظ قد يتحول إلى اتفاق فعلي إذا أنجزت اللجان الفنية عملها بروح براغماتية، وإذا جرى التعامل مع الفتوى السيادية كمرجعية التزام لا كشعار سياسي.
فالشرق الأوسط اليوم لا يحتاج إلى سباق تصعيد، بل إلى تثبيت قواعد لاستقرار عقلاني يحول دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة ستكون كلفتها على الجميع باهظة.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”


















Discussion about this post