كتب جليل هاشم البكاء
ليست الحروب في حقيقتها اندفاعًا مفاجئًا نحو السلاح، ولا قرارًا عابرًا تتخذه الدول تحت تأثير لحظة غضب. الحروب الكبرى تولد قبل أن تُعلن بسنوات، وربما بعقود، حين تفشل وسائل الضغط الصامتة، وتتعثر أدوات الهيمنة الباردة، وتصل القوى المتصارعة إلى قناعة بأن النفوذ لم يعد يُفرض بالكلمة أو الاقتصاد أو الحصار أو التهديد غير المباشر. عندها فقط يتحول الصراع من مرحلة فرض الهيبة بلا نار إلى محاولة فرضها بالنار نفسها.
الحرب القادمة … إن اندلعت … لن تكون إلا محاولة لإعادة رسم ميزان القوة، وإجبار طرفٍ ما على الاعتراف بسطوة طرفٍ آخر. إنها إعلان صريح بأن كل الوسائل السابقة لم تنجح في إخضاع الخصم أو كسر إرادته. فالعقوبات، والضغوط السياسية، والحروب الإعلامية، والتحالفات العسكرية، كلها أدوات صُممت أصلًا لتجنب الحرب، لكنها في الوقت نفسه تمهيد لها إذا فشلت. وعندما يُعلن القتال، فذلك يعني أن مشروع الإخضاع الهادئ قد انهار، وأن القوة الخشنة أصبحت الخيار الأخير.
ومن يظن أن الحرب القادمة ستكون خاطفة، إنما يكرر أوهامًا تاريخية سقطت مرارًا. فالحروب الحديثة لم تعد مواجهات سريعة تُحسم في أيام، بل صراعات مركبة تمتد آثارها إلى الاقتصاد والطاقة والمجتمع والعقول قبل الميدان العسكري نفسه. كل طرف يدخلها وهو يظن أنه قادر على الحسم السريع، لكن الواقع يثبت أن الحروب الكبرى تتحول إلى استنزاف طويل، وأن الزمن يصبح سلاحًا لا يقل خطورة عن الصواريخ.
الخطأ الأكبر يرتكبه من يبدأ الحرب دون حساب عواقبها. فالقوة التي تعتمد على التفوق اللحظي قد تفوز في الضربة الأولى، لكنها قد تخسر في الصبر الطويل. التاريخ يعلمنا أن الغلبة النهائية لا تكون دائمًا للأقوى تسليحًا، بل للأكثر قدرة على الاحتمال، والأشد ثباتًا حين تتبدل الظروف وتطول المعركة. لذلك فإن من لا يضع حسابات النهاية قبل البداية، يكون أول من يكتشف أنه فتح بابًا لا يستطيع إغلاقه.
وفي قلب هذا المشهد يقف المظلوم، وهو الطرف الذي غالبًا ما تُفرض عليه الحرب ولا يختارها. المظلوم يدفع ثمنًا باهظًا بلا شك، وتكون خسائره حقيقية ومؤلمة، لأن الحرب لا ترحم أحدًا. لكنها في كثير من الأحيان تتحول إلى لحظة انكشاف أخلاقي وتاريخي، حيث تتبدل موازين الشرعية قبل موازين القوة. فحين يُدفع شعب أو أمة إلى الدفاع عن وجودها، تتحول الخسارة إلى صمود، ويتحول الألم إلى طاقة بقاء، ويصبح ما يُظن نهاية بدايةً لتحول أكبر.
الخسائر إذن ليست دليل هزيمة دائمًا، بل جزء من ثمن التحول. وما يمنّ الله به على المظلوم بعد الصبر قد يفوق ما خسره في لحظات المواجهة، لأن التاريخ لا يُقاس بلحظة الألم، بل بنتائجها البعيدة. كثير من الأمم خرجت من الحروب أكثر وعيًا وصلابة، بعدما كانت مستهدفة بالإلغاء أو الإخضاع.
إن الحرب، في جوهرها، ليست سوى إعلان فشل السياسة حين تُستخدم لإخضاع الآخرين بدل التعايش معهم. وهي أيضًا اختبار قاسٍ يكشف من يسعى للهيمنة ومن يدافع عن حقه في البقاء. وفي النهاية، قد يفرض الغالب سطوته بالقوة مؤقتًا، لكن الهيبة الحقيقية لا تُبنى بالسلاح وحده، بل بالعدل والاستقرار، لأن القوة التي لا تجد قبولًا تتحول مع الزمن إلى عبء على صاحبها.
ولهذا، فإن أي حرب قادمة لن تكون نهاية صراع، بل بداية مرحلة جديدة يعاد فيها تعريف الغالب والمغلوب، ليس فقط بما يملكه كل طرف من قوة، بل بما يملكه من صبر وحق وقدرة على تحمل ثمن الطريق حتى نهايته.
بقلم جليل هاشم البكاء


















Discussion about this post