قراءة تحليلية نقدية في ثلاثية الق ق ج للكاتبة و الإعلامية إلهام عيسى /سوريا
بقلم سعيدة بركاتي /تونس
تحت عنوان رئيس :مدونــــات دم .
القــــــراءة :
بالرجوع إلى مفهوم المدونة في الأدب : هي منصات إلكترونية يتبادل فيها الكتاب و النقاد و المهتمون بالأدب أفكارهم و مراجعاتهم و تحليلاتهم . و قد أصبحت هذه المدونات جزءا هاما من المشهد الأدبي الرقمي ،إذ تقدم وجهات نظر متنوعة و تعزز التفاعل المجتمعي بين القراء و الكتاب .
تحت عنوان كبير لثلاثية في الق ق ج “مدونات دم ” كتبت الاعلامية إلهام عيسى مدوناتها ، فهل الدم كان حبرا أم عرقا أم جنسا أم جرحا ؟ ، تتدفق الأسئلة في رأس المتلقي حول هذا العنوان الغريب ، فنبحر معا لإستكشاف الرابط بين القصص و عناوينها و هذا العنوان الرئيس .
القصة الأولى :
احتيال ذاكرة :
“” دوّنتُ كتاباتي ورقةً ورقةً، تشرب حبرها من مداد قلمي. كانت حبلى بذكرياتٍ ابتلعها الزمن. كان مولودي الأوّل يتنفّس رئة الحياة. أردتُه ترجمانًا لخلجاتٍ لم تُسفر عن وجهها بعد. ناداني صوتٌ من خلف الحجاب: ليس كلُّ نتاجٍ يجعلك كاتبًا. تعثّرت خطواتي إجهاضًا بأوّل رحم، إلّا أنّ المخاض مستمرّ بمعنى الحياة.””
القـــــــراءة:
بخطوات متأنية تكتب القاصة “كتاباتها ورقة ورقة”،مما يوحي أنها تختار و بعمق ما تكتبه و ما بقي عالقا بذاكرتها التي “ابتلعها الزمن ” .
إلهام عيسى ترجع بنا إلى زمن تجعله حاضرا و تعيد قصه علينا بكل إرادتها :”أردته ترجمانا ” / فالذاكرة في هذه القصة هي المدونة الأولى : فيُطرح السؤال نفسه :كيف للكاتبة تذكر “ذكريات ابتلعها الزمن “؟و نتساءل أيضا هل نستطيع التخلي عن الماضي ؟ و هل الذاكرة تستطيع اسقاط بعض الذكريات و نسيانها ؟ … أسئلة كثير تفيض من خلال هذه القصة …
فالمولود الأول “الورقة الأولى ” أو ربما الذكرى الأولى و بداية الخطوة الأولى كطفل كان يحبو و بدأ يتحسس قدميه و الحركة و أين ستقوده ، فأي طفل يبدأ بخطواته تكون نحو الأمام للاستكشاف و الشعور بما يحيطه ،و في قرارة نفسه أن العالم كله أصبح صوب عينيه : لكن قصتنا و الكاتبة بداياتها جاء من يعرقلها أو ربما من ينصحها أن تتأنى في كتاباتها كانت صوتا مناديا ” من خلف الحجاب ” : فالصوت هو بحث في عمق النفس ، هو نداء ذاتي يبحث عن اليقين ،صوت خفي جعلها تستدرك حتى لا تتعثر خطواتها في الكتابة /هذا شأن كل مبتدئ/ .الكتابة هي الجنين الذي يكبر شيئا فشيئا في رحم الفكر ،ولادته عسيرة .
في طريقها الشائك أشارت إلهام عيسى إلى “إجهاض بأول الرحم”:هذه البدايات الصعبة التي يواجهها الكاتب في بحثه عن أرض ارتكاز يستطيع فوقها شد أزره و مقاومة أعداء النجاح ،فنداء الصوت كان مقرونا بــ “ليس”و هو فعل جامد يفيد النفي وفي هذا الموضع استخدمته الكاتبة كأداة استثناء :بعض الكتابات تجعل منك كاتبا.
القصة الثانية :
ابتـــــــــــلاع :
“”كالعادة، كنتُ أستعيد الشريط السينمائي لحياتي في الريف من شقوق الذاكرة، أتّكئ على عكّازة الزمن وحدي. هناك خرجتُ من ظلماتٍ كنتُ أعدّها خانقة، غارقة، منسيّة في آثام الذاكرة. تتحدّى زغاريدُ العواصف، تتراقص الجدران، تتمايل في حفلةٍ تنكّرية. ثمّة صوتٌ يأمرني: ارمِ أقلامك وأوراقك بعيدًا عنّي، يا من وأدتَ الحلم. كنتُ الأكثر هدوءًا في قلب التنّين؛ يتصارعون لابتلاع نَسْلٍ لم يسمن بعد. “”
القـــــــراءة:
مباشرة مع العنوان الذي يوحي إلى عملية استهلاك كائن حي لمادة و تقع عن طريق الفم ، فما الذي وقع ابتلاعه ؟ هل هو فعلا شيء مادي أم ايحاء لابتلاع الذات أم الواقع هو الذي ابتلع كل شيء ؟ لكن حين نقرأ القصة و نبحث عن علاقة العنوان بها نجد المعنى في آخر سطر منها “يتصارعون لابتلاع نسل لم يسمن بعد”. سأتناول القصة انطلاقا من هنا :نلاحظ هذه الحركة المكثفة في القصة :”يتصارعون”، إشارة إلى صراع بين الإبداع و المعرفة و قوى خارجية تحاول تقييد المبدع / أَمَرَ برمي الأقلام و القلم هو سلاح الكاتب / رمي الأوراق و هي محمل التدوين /ثم وأد الحلم :فالتنين هذا الكائن الضخم يبتلع كل ما يعترضه حتى الأحلام توءد في مهدها .
فالقصة حلم الكاتبة من ناحية و هي في خطاها الأولى تخوض صراعا عنيفا مع قوى خارجية لم تقبل بها بينهم ،لكن بإصرارها و خوضها التحدي و اتكاءها “وحدها”على عكازة الزمن استطاعت الخروج من الظلمات إلى النور :ربما إشارة إلى الخروج من المحاولة ومن بوتقة خانقة ، إلر النجاز /حتى الصوت اختنق بالحنجرة :فلا الأقلام و لا الأوراق و لا الصوت تمكنوا من ايصال الإبداع كيف و التنين يبتلع “نسلا لم يسمن بعد”.
ومن ناحية أخرى تدور أحداثها بين البناء و التدمير :البناء من طرف القاصة :ترنو للإبداع و إثبات ذاتها و أخذ مكان بين المبدعين ،و تدمير و وأد كل فكرة و لو كانت حلما من طرف ما لَقَبْتهم بالتنين .
//////
القصة الثالثة :
تأوّهات بطيئة :
“”فيما كنتُ وأوراقي نقيم طقوس الحبّ والغزل، نتنفّس وأفرغ ما في جعبتي من ثرثرات، وأسـكب ماء حبري، وهي ترتشف رحيق الكلمات وتعيد ترتيب الأحداث. يجلس قلمي على الورق، تصطفّ حزمةُ أعواد الثقاب، تكتنز النار قبل أن تتحوّل إلى حكاياتٍ ورماد. شعرتُ بخرقٍ في عينيه حتى تأوّه ببطء. همس لي: إيّاك المضيّ في محاربة الطواحين، فالهواء عصيّ الانطفاء عند يقظة النار. شعرتُ بصفعةٍ لم توقظني، لكن غفوتي تلاشت في العالمي . “”
القـــــــــراءة :
يحيلني العنوان إلى وجع تعيشه الكاتبة صدر عنه هذه التأوهات ، ربما اشارة أولى إلى صراع داخلي أو خارجي يجعلني كمتلقية أبحث عن أسبابه .
صورة “طواحين الهواء” و حرب الدون كيشوت و قتاله معها ، مما يجعل سياق القصة و حركتها تتغير من طقوس “غزل و حب ” إلى “حرب ضد التيار” : قبل شق بياض الورقة بحبر القلم بعد المرحلة الأولى /الإلهام / كانت هذه القوى “الخارجية”أعداء النجاح تعرقل المسار الإبداعي للكاتبة حد الصفعة ،فانقلب السحر على الساحر :كانت بمثابة الإستفاقة و سقوط إلى الأعلى ، فكان التحدي عن مهل ، مما يؤكد الخطوات المتأنية التي سلكتها الكاتبة في ثنايا طريق إبداعها .
النار في القصة سيف ذو حدين :تدمير و بناء /بين حرق قديم و تحولها إلى رماد لبناء إبداع جديد و إن تلاشى بعضها فتنبثق أخرى …
في حزم القراءة و علاقة الثلاثية بالعنوان الرئيس :
الميلاد الأول / ناداني صوت من “خلف الحجاب” (تناص قرآني في سورة الشورى الآية 51 /سورة الإسراء الآية 45 /و الأقرب سورة مريم الآية 17 )
كالعادة :تعود الكاتبة على من يعرقل مسيرتها الابداعية /ثمة صوت يأمرني /تغيرالصوت من نداء إلى أمر.
تأوه بطئ :وكأنه رجوع للهدوء بعد المعاناة /أصبح الصوت همسا :همس لي
فتأتي الصفعة : صورة العاصفة بعد السكون /ثورة القلم :صفعة يقظة لمواصلة درب الإبداع
تكرار الصوت و رمزيته في الثلاثية :
الصوت هو الحركة المكثفة في الثلاثية / المحور المحرك :
أتى بغتة /مناديا /آمرا/هامسا :في الق ق ج الثالثة تشعر بتعب هذا الصوت مما يؤكد فوز الكاتبة على أعداءها من النجاح رغم الصفعة فاستفاقت من الغفوة :تلاشت الغفوة في العالمين .
خطوات أُجهضت في القصة الأولى :اغتيال ذاكرة .
أُبتلعت المحاولات في القصة الثانية :ابتلاع .
أما في القصة الثالثة :تأوهات بطيئة /الدخول في حرب فكر و ثورة و دفاع عن نتاجها و الإصرار على إثبات الذات فكريا و أدبيا .
يأتي الجواب عن السؤال أعلاه و علاقة العنوان الرئيس بالثلاثية :”مدونات دم”:
نقر أن الثلاثية كتبت من وحي الذاكرة قد تكررت هذه الأخير في سياق القصص: “كانت حبلى بذكريات ابتلعها الزمن / كالعادة أستعيد الشريط السينيمائي …من شقوق الذاكرة /أفرغ ما في جعبتي من ثرثرات .
فالذاكرة هي المدونة التي رجعت إليها و بها الكاتبة لإبداعات حاولوا أن يغتالوها بوضع ما أتيح لهم من حصي بل صخور لتتعثر في طريقها نحو الإبداع .
الكاتبة تناولت في الثلاثية جانبين أساسيين :صراع ولادة الفكرة “الداخلي” :ألام مخاض الابداع و صراع ما أسميته بأعداء نجاحها ،”الصراع الخارجي”.
أقر بأن الثلاثية كُتبت من عمق الواقع و من تجربة حقيقية للكاتبة و كأنها جزء من سيرة ذاتية اختصرتها في أحداث مكثفة و سريعة الإيقاع بلغة غنية ،فيمكننا إدراجها ضمن “” أدب الذاكرة “” على غرار ما كتبه غسان كنفاني و الطيب بن صالح و غيرهم …الذين دمجوا سيرهم الذاتية مع التاريخ و الذكريات و الحنين .
فيتضح جليا مما تقدم أن القاصة و الإعلامية إلهام عيسى كثفت من الصور الإيحائية و الإيقاع السريع “المتوتر”مما عكس الصراع الذي عاشته في أول خطواتها نحو الابداع :بين الأوراق و الحبر و القلم …فتحت للقارئ مجالا رحبا للتأويل مع كل قفلة للقصة .

















Discussion about this post