مع الصائمين
غزوة بدر الكبرى
الجزء الخامس
بقلم/ محمود فوزي الموجي
تابع صفات الجيش المنتصر
2 – صفة الإيمان بالله ورسوله
من صفات الجيش المنتصر. صفة الإيمان الكامل بالله عز وجل
فقد ظل الرسول ﷺ (13) سنة في مكة وبعد ذلك في المدينة يزرع في المسلمين صفة الإيمان الكامل بالله عز وجل وحسن التوكل عليه وتوجيه النية كاملة إليه، والإيمان الكامل برسوله ﷺ وحسن اتباعه ، فإن جيش مكة خرج ليتحدث الناس عنه ، خرج لإرضاء شهوات النفس و الصد عن سبيل الله بطراً ورئاء الناس ، بينما صدق التوجه كان واضحاً في كل كلمة من كلمات الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ، فهم يعلمون أنهم في مهمة سامية وغرضهم رفع راية الإسلام الى عنان السماء ، يبتغون وجه الله عز وجل، يطلبون جنة عرضها السموات والارض ، فمن غير صفة الإيمان لا يوجد نصر . فالنصر في المفهوم الإسلامي من عند الله عز وجل: (إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) محمد:7، ونصر الله عز وجل يكون بطاعته وتطبيق شرعه، والمسلمون لهم 15 سنة كاملة يتربى كل واحد منهم على هذا المعنى، فكانت هذه هى أهم صفة من صفات الجيش المنتصر .
3- صفة الأمل والتفاؤل واليقين بنصر الله عز وجل
(سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، ووالله لكأني أنظر إلى مصارع القوم )
4- صفة الحزم وعدم التردد
رأينا في جيش مكة تردد أمية بن خلف في الخروج، ورأينا انسحاب الأخنس بن شريق ، ورأينا رفض الجميع للقتال وحث أبي جهل لهم، وخوفهم من الخروج في البداية، وتمثل الشيطان لهم في شكل سراقة بن مالك بن جعشم ، يمنيهم (إني جار لكم )
وكان عتبة بن ربيعة رافضاً للقتال تماماً، وهو من قادات مكة، قال : يا قوم! أطيعوني في هؤلاء القوم، فإنكم إن فعلتم لن يزال ذلك في قلوبكم، ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه وقاتل أبيه. ارجعوا.
هذه نصيحة واحد من قادة مكة في أرض المعركة .
ثم قال عتبة بن ربيعة قولاً يعبر عن رعبه الداخلي : أما والله إني لأرى قوماً يضربونكم ضرباً. سبحان الله! المسلمون 300 مقاتل والكفار 1000 مقاتل ومع ذلك يقول: أما والله إني لأرى قوماً – يعني: المسلمين- يضربونكم ضرباً، أما ترون رءوسهم كالأفاعي و وجوههم كالسيوف .
وجاء حكيم بن حزام حينها وكان مشركاً وأسلم بعد ذلك رضي الله عنه، جاء إلى عتبة بن ربيعة يقول له : يا أبا الوليد ! هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت ، قال : ماذا أفعل؟ قال: إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرمي – يقصد الذي قتل في سرية نخلة- وهو حليفك فتحمل ديته وترجع بالناس ، فقال عتبة بن ربيعة : أنت وذاك، فاذهب إلى أبي جهل – فقل له: هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك، يقرب له نسب الرسول ﷺ أي: قريبك في الرحم، لعله يرجع، فانظر إلى حجم التشجيع، فذهب حكيم إلى أبي جهل وقال له ذلك، فرد أبو جهل : أما وجد رسولاً غيرك.
هذا أبو جهل يكلم أحد أشراف مكة حكيم بن حزام ، لكن كان جوابه بمنتهى الغرور. قال له : أما وجد رسولاً غيرك، قال: لا ، ومع ذلك رفض أبو جهل وأصر على القتال , وتصرفه يعبر عن ديكتاتورية مطلقة.
ذهب عمير بن وهب الجمحي وذلك قبل أن يسلم ليقدر أعداد المسلمين، فعاد إلى قريش وقدر العدد بثلاثمائة أو نحو ذلك، ومع أن جيش المسلمين ثلث جيش الكفار إلا أن عمير بن وهب قال: ولكني قد رأيت يا معشر قريش! البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع ، قوم ليس لهم منعة إلا سيوفهم ، ووالله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلاً منكم ، فإن أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك. فانظر إلى حجم التردد الذي يعيشه أهل الباطل، فكيف سيقاتلون مثل هؤلاء؟! لكن كل من يحارب الإسلام تكون هذه حالته.
إذاً : المسلم جيش مؤمن بالله عز وجل وبرسوله الكريم ﷺ ، لا يعمل إلا لله عز وجل، متفائل وعنده يقين كامل في نصر رب العالمين سبحانه وتعالى، حاسم غير متردد، ويعمل بالشورى في كل قضاياه، إلا إذا كان هناك أمر من الله أو رسوله الكريم ﷺ فلا شورى فيه، فهذا جيش لابد أن ينتصر، وليست الروح العالية التي رأيناها في موقف أبي بكر وعمر والمقداد وسعد بن معاذ : أن كل الجيش كان كذلك، بل كان هناك بعض المؤمنين خائفين من جيش مكة، ليس ضعفاً في اليقين، ولكن لإحساسهم أنهم لم يخرجوا بالاستعداد الكامل، وأنه كان من الممكن أن يعدوا إعداداً أفضل من ذلك فهناك أعداداً كبيرة من المسلمين في المدينة، لو عرفوا أن هناك جهاداً لخرجوا مع المسلمين، فكانوا يقولون : يا ليتنا نقاتل القافلة ولا نقاتل الجيش.
الخلاصة: أنهم كرهوا الحرب، وتمنوا أنه لو كان هناك حرب مع القافلة فقط، والله سبحانه وتعالى ذكر ذلك في كتابه الكريم، قال: (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ )الأنفال:7
و المطلوب من المؤمن ألا يؤثر الخوف على طاعته لله عز وجل ، وعلى طاعته لرسوله ﷺ ، ولا ينبغي أن يقوده الخوف إلى مخالفة شرعية .
قام ﷺ بعملية استكشافية بنفسه هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، واستطاعا أن يعرفا مكان جيش مكة، لكن لم يستطع الرسول ﷺ أن يعرف أعداد القوم ولا قادتهم، فأرسل فرقة استكشافية ثانية كان فيها علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم أجمعين، وأمسكت الفرقة غلامين من جيش العدو، وأحضروهما ، وبدأ الرسول ﷺ في استجوابهما.
قال: (أخبراني عن قريش.
قالا : هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى قال: كم القوم؟ قالا: كثير، قال: ما عدتهم؟ قالا: لا ندري، قال: كم ينحرون كل يوم؟ قالا: يوماً تسعاً ويوماً عشراً، قال ﷺ: القوم فيما بين التسعمائة والألف)، فاستطاع أن يحدد بالضبط العدد الحقيقي لجيش مكة؛ لأنهم كانوا يعلمون أن الجمل يكفي مائة تقريباً للأكل، ثم قال ﷺ: (فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر وطعيمة بن عدي والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد
فأقبل الرسول ﷺ على المؤمنين وقال لهم: (هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها .
يتبع
تحرير/ دعاء محمود














Discussion about this post