كتب رياض الفرطوسي
تُظهر التطورات الأخيرة في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران أن الحروب الحديثة لا تُقاس بنتائج الضربة الأولى بقدر ما تُقاس بما يليها. في الساعات الأولى لأي مواجهة تميل الخطابات السياسية إلى الحديث عن الحسم السريع وتغيير موازين القوى، لكن التجارب السابقة تشير إلى أن الفجوة بين ما يُخطَّط له في غرف القرار وما يحدث فعلياً على الأرض قد تكون واسعة.
الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب قدّمت المواجهة مع إيران باعتبارها ضرورة أمنية تهدف إلى منع مخاطر مستقبلية، في حين ترى طهران أن الضغوط العسكرية جزء من سياسة احتواء طويلة بدأت منذ الثورة الإيرانية عام 1979. وبين هذين التصورين تتشكل معادلة صراع لا تبدو قابلة للحسم السريع.
المقارنات التاريخية تحضر بقوة في قراءة المشهد. تجربة العراق في عهد جورج بوش الابن تظل مثالاً بارزاً على الفارق بين التوقعات والنتائج، إذ بدأت الحرب باعتقاد أنها ستكون قصيرة وحاسمة، لكنها تحولت إلى صراع طويل ومعقد. هذه التجربة تجعل أي حديث عن نتائج سريعة موضع نقاش دائم داخل المؤسسات السياسية والعسكرية الأميركية.
في المرحلة الأولى من أي مواجهة عسكرية يكون الهدف عادة إضعاف القدرات الأساسية للخصم وفرض حالة من الارتباك. غير أن التجربة تشير إلى أن الدول التي تمتلك مؤسسات مستقرة وقدرات عسكرية كافية تستطيع غالباً امتصاص الضربة الأولى ثم إعادة تنظيم صفوفها. من هذه الزاوية يمكن فهم التحول من ردود الفعل السريعة إلى أساليب أكثر حذراً في إدارة الصراع.
إيران تبدو معنية بتجنب مواجهة شاملة، لكنها في الوقت نفسه تحرص على إظهار قدرتها على الرد. هذا التوازن بين الردع وتجنب التصعيد يشير إلى توجه يعتمد على توزيع الضغوط بدلاً من التركيز على معركة واحدة حاسمة. مثل هذا الأسلوب يسمح بالحفاظ على القدرات العسكرية لفترة أطول ويترك مجالاً للمناورة السياسية.
في المقابل تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على تفوقها العسكري ومنع توسع الصراع إلى نطاق إقليمي أوسع. غير أن اتساع الجغرافيا الإيرانية وتعقيد البيئة الإقليمية يجعلان أي مواجهة طويلة مكلفة لجميع الأطراف. لذلك يظهر التردد أحياناً بين التصعيد العسكري وفتح قنوات سياسية موازية.
تشير تجارب سابقة، مثل حرب فيتنام ثم الحرب في أفغانستان والعراق، إلى أن الصراعات الممتدة تفرض ضغوطاً سياسية واقتصادية داخلية حتى على الدول الكبرى. هذا العامل يظل حاضراً في تقديرات صناع القرار، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعمليات عسكرية قد تستمر لفترات طويلة دون نتائج حاسمة.
العامل الاقتصادي يمثل بدوره عنصراً مهماً في معادلة الصراع. أي اضطراب في إمدادات الطاقة أو في حركة الملاحة في الخليج ينعكس سريعاً على الأسواق العالمية. لهذا السبب لا تقتصر آثار المواجهة على أطرافها المباشرين، بل تمتد إلى اقتصادات أخرى تعتمد على استقرار أسواق النفط والغاز.
في هذا السياق يصبح مفهوم الاستنزاف أحد السيناريوهات الممكنة. هذا النوع من الصراعات لا يقوم على معركة فاصلة بل على ضغوط متراكمة بمرور الوقت، سواء عبر عمليات عسكرية محدودة أو من خلال أدوات اقتصادية وسياسية. نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد أساساً على القدرة على الاستمرار لفترة أطول من الخصم.
من جهة أخرى، تواجه إيران تحديات داخلية مرتبطة بالعقوبات الاقتصادية والضغوط المالية، وهي عوامل قد تحد من قدرتها على خوض صراع طويل دون كلفة مرتفعة. لذلك يبدو أن سياستها تجمع بين الحفاظ على القدرة العسكرية والسعي إلى تخفيف الضغوط عبر قنوات سياسية أو اقتصادية.
تظهر التصريحات المتباينة الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين حول التفاوض أو رفضه في إطار سياسة تهدف إلى إبقاء الخيارات مفتوحة. مثل هذا الغموض يمنح صانع القرار الإيراني هامش حركة أوسع، لكنه يعكس أيضاً إدراكاً لتعقيد المرحلة الحالية.
أما احتمال العمليات البرية الواسعة فيبقى موضع نقاش أكثر منه خياراً قريباً. التحديات العسكرية والجغرافية، إضافة إلى الاعتبارات السياسية الداخلية، تجعل مثل هذا السيناريو من أكثر الخيارات كلفة ومخاطرة. لذلك يظل الاعتماد الأساسي على الضربات المحدودة والضغوط غير المباشرة.
في المحصلة يبدو الصراع الحالي أقرب إلى مواجهة طويلة منخفضة الحدة منه إلى حرب شاملة سريعة. التوازن القائم يقوم على قدرة كل طرف على إلحاق الضرر بالآخر دون الوصول إلى مستوى الانفجار الكامل.
المسار المستقبلي سيعتمد إلى حد كبير على عامل الزمن، وعلى قدرة الأطراف المختلفة على تحمل الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية. وفي مثل هذه الصراعات لا يكون السؤال من يحقق النصر، بل متى يقرر الجميع أن استمرار المواجهة لم يعد مجدياً.

















Discussion about this post