كتب رياض الفرطوسي
في الحروب الكبرى لا تتواجه الجيوش وحدها، بل تتواجه تصورات كاملة عن العالم. الرصاص والصواريخ ليست سوى اللغة الأولى، أما اللغة الأعمق فهي اختبار قدرة المجتمعات على احتمال الصدمات، وعلى إعادة ترتيب نفسها وسط العاصفة. في هذه اللحظة المتوترة من تاريخ المنطقة يبدو الصراع الدائر حول إيران أكثر من مجرد مواجهة عسكرية، إنه محاولة لاختبار بنية دولة نشأت أصلاً تحت الضغط، وتعلمت أن تجعل من الأزمات مادة لبقائها.
منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي لم تعش إيران يوماً عادياً. العقوبات، الحروب، العزلة، الاغتيالات، كلها تحولت إلى جزء من البيئة السياسية، كأن النظام هناك لم يُبن في زمن الاستقرار بل في زمن الطوارئ. لذلك تشكلت السلطة على هيئة شبكة متداخلة من المؤسسات والمرجعيات، بحيث لا يؤدي سقوط رأس إلى انهيار الجسد. القيادة موزعة بين مستويات متعددة، وكل مستوى يملك قدرة معينة على التعويض وإعادة التوازن. هذا التعقيد الذي يراه خصوم إيران علامة ضعف قد يكون في الحقيقة مصدر قدرتها على الصمود.
التاريخ القريب يقدم مثالاً واضحاً. في مطلع الثمانينيات تعرضت القيادة الإيرانية لضربات كادت تبدو قاتلة، اغتيالات متتالية طالت الصف الأول من الدولة، ومع ذلك لم يحدث الفراغ الذي توقعه كثيرون. استبدلت الوجوه سريعاً، واستمرت مؤسسات الدولة في العمل، بل استطاعت القوات الإيرانية بعد أشهر قليلة فقط استعادة زمام المبادرة على الجبهات. لم يكن ذلك نتيجة تفوق عسكري حاسم، بل نتيجة بنية سياسية قادرة على امتصاص الصدمة وتحويلها إلى دافع تعبوي.
هذه الخاصية تحديداً هي التي يحاول خصوم إيران اختبارها اليوم. الرهان لا يقوم فقط على تدمير القدرات العسكرية، بل على خلق شرخ داخل النخبة الحاكمة وإرباك الجبهة الداخلية. الفكرة القديمة نفسها تتكرر، ضربة قوية في القمة يتبعها ضغط اقتصادي وإعلامي وعسكري، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تفكك تدريجي. غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن المجتمعات التي تعيش طويلاً تحت الحصار تكتسب مناعة خاصة، تجعلها أكثر صلابة مما يبدو من الخارج.
المفارقة أن الضربات القاسية قد تنتج أحياناً نتائج معاكسة لما خُطط لها. اغتيال القادة لا يضعف دائماً الأنظمة، بل قد يطلق طاقات أكثر تشدداً داخلها. عندما يشعر مجتمع ما بأن وجوده مهدد، يتحول الصراع من نزاع سياسي إلى قضية كرامة وهوية. عند تلك النقطة يصبح الحديث عن التسويات أصعب، لأن المسألة لم تعد تتعلق بمصالح قابلة للمساومة بل بصور ذهنية عن البقاء أو الزوال.
الحرب الحديثة أيضاً لا تبقى في حدودها العسكرية. ما يبدأ بضربة جوية قد ينتهي بسلسلة طويلة من المواجهات غير المتوقعة. كل إعلان عن نوايا التوسع البري، أو إدخال قوات جديدة إلى المعركة، يعني أن الجغرافيا نفسها قد تصبح ساحة مفتوحة. الدول الصغيرة المطلة على الخليج تدرك هذه الحقيقة أكثر من غيرها، فهي تقع في الممر الإجباري لأي صراع واسع، لكنها لا تملك الوسائل الكافية لحسمه أو حتى احتوائه.
ومع ذلك فإن أخطر ما في الحروب ليس ما تفعله بالخرائط بل ما تفعله بالبشر. الحرب تفتح طبقات مخفية في النفس، تظهر الشجاعة كما تظهر القسوة، تكشف النبل كما تكشف الغرائز البدائية. في لحظات الخطر يصبح الإنسان أمام مرآة لا ترحم، يرى فيها نفسه بلا زينة ولا شعارات. كثيرون يخرجون من هذه المرآة أكثر وعياً، وكثيرون يخرجون منها أكثر ظلاماً.
ليس من الصعب أن ينتصر طرف في معركة، لكن من الصعب أن ينتصر أخلاقياً. التاريخ مليء بانتصارات تحولت لاحقاً إلى عبء ثقيل على أصحابها، لأن القوة التي لا تقيدها رؤية إنسانية تتحول سريعاً إلى لعنة. وقف إطلاق النار لا ينهي الحروب فعلاً، ما ينهيها هو انطفاء الكراهية، وهذا يحدث ببطء شديد إن حدث أصلاً.
اللغة المستخدمة لتبرير الحروب تكاد تكون واحدة في كل مكان. الحديث يدور دائماً حول الحرية أو الأمن أو حماية العالم من خطر قادم. لكن خلف هذه العناوين تتحرك حسابات النفوذ والمصالح. منذ انتهاء الحرب الباردة لم تعد القوى الكبرى تقبل بسهولة بظهور قوة إقليمية مستقلة، ولهذا تتحول مناطق كاملة إلى ساحات اختبار لإعادة رسم موازين القوة.
في خضم هذه الصراعات يظل الناس العاديون هم الحلقة الأضعف. الشعوب لا تختار عادة توقيت الحروب ولا مساراتها، لكنها تدفع ثمنها كاملاً. كل قذيفة تسقط على مدينة ما تعني سنوات من الخسارة غير المرئية، خسارة في الذاكرة وفي الثقة وفي الإحساس بالأمان.
وربما لهذا السبب تبدو الحرب في جوهرها تجربة وجودية بقدر ما هي حدث سياسي. إنها لحظة يعاد فيها تعريف الذات والآخر معاً. البعض يرى فيها مناسبة للثأر، والبعض يراها فرصة لفهم أعمق لما يعنيه أن يكون الإنسان إنساناً.
الأسلحة قد تحسم جولة أو أكثر، لكن ما يبقى في النهاية هو قدرة المجتمعات على البقاء. الدول التي تتعلم كيف تعيش تحت النار لا تنكسر بسهولة، حتى لو بدت محاصرة من كل الجهات. وفي منطقة اعتادت على الانفجارات الكبرى، قد يكتشف كثيرون بعد فوات الأوان أن النار التي أُشعلت لإضعاف خصم ما قد تكون هي نفسها التي أعادت صياغته في صورة أكثر صلابة.
















Discussion about this post