جَنَّةُ الدُّنْيَا
بقلم/ زينة لعجيمي
تأملت في حال الدنيا ومن فيها، فتحسرت حينا واستغربت حد الذهول أحيانا لحال بعض أهلها، فأبكاني قهر الفاقة للفقراء، زلزلتني دموع اليتامى والثكالى، وتألمت لأنين المضطهدين، لكن ما هالني، ولطالما استوقفني كثيرا، حال أولئك الذين لا يعرفون الله، ولا يقدرونه حق قدره تبارك اسمه وعزّ شأنه، فوضعهم مثير حقا للشفقة، ويدعو للحسرة والحيرة في آن واحد، أجدني أتساءل كيف يحيا من لم يعرف الله! ولم يذق لذة القرب منه، وإن صام وصلى، وديدنه على الغي والزيغ قائم لا يتخلى، رُبَّ صائم لم ينل من صومه إلا الجوع والظمأ!
تُرى كيف يهنأ بعيشه من ظلم الأنام، تجبر في الأرض وعاث فيها فسادا!
كيف يغمض له جفن من خان الأمانة، وكيف تقر له عين من ضيع المسؤولية ولم يُبال بالرعية، أي قسوة تلك التي رانت على قلوبهم، عميان رغم الإبصار، فعمى البصيرة أشد وطأة وأخطر من عمى البصر بكثير، فثمة الهلاك قطعا.
كيف يدعي الإيمان من لم يخش الله بالغيب! ولم يتقه ويجانب سخطه وعذابه! وكيف يزعم التقوى من لا يراعي في المؤمنين إلاًّ ولا ذمة، يهين عباد الله، يكذب ويخون، يمكر بهم ويكيد، أما علم أن دعوة المظلوم تخرق الغمام، وأن ديوان المظالم لن ينجو منه ظالم في الدنيا ولا يوم الزحام!
وبعد كل هذا الطغيان والخسة يحسبون أنهم حازوا جوامع الإيمان، كلاّ! لا دين لمن لا أمانة ولا أمان له، وليس مؤمنا بحق من لا يخاف الله، ولا يتقيه، ولم يظهر جليا عليه أثر الإيمان في خلُقه ومعاملاته مع خلقه، مهما صلى وصام، ثم ظن أنه على النهج استقام.
من أشد المصائب والبلايا في الحياة الدنيا أن لا يعرف العبد ربه، فيعيش غافلا بعيدا عنه وعن مراده منه، جاهلا بقدرته وعظمته عز شأنه وجلّ ثناؤه.
لا أستوعب حقا كيف لِروحٍ أن تطمئن وتغشاها السكينة في عالم الشهادة، وهي لا تحلق عاليا في عالم الغيب ولا تسبح في ملكوت الله، بل وصِلَتها مقطوعة ببارئها! أي جفوة وغربة تلك تتخبط في غَياباتها!
برأيي ذلك أقصى وأقسى الحرمان، وبلوى ما بعدها بلوى، فلا يمكن تصور حجم الشقاء الذي يحلّ بمن حُرم أنوار المعية والعناية الإلهية، جاهل جهول، عن مآله والمصير لاهٍ غافل، ركَن إلى الفانية، فطغى واستغنى، وهو العبد الفقير الضعيف، جهل قدرة القهار الجبار، لم يدرك حقيقة الحياة الدنيا وعلة وجوده فيها، فتراه لا يدخل الآخرة في حساباته، يمضي لدنياه ومطيّتُه فيها إبليس والهوى، جاعلا إياها كل غاياته ومنتهى المقاصد.
أكاد أجزم أن من كانت همته دنيّة أرضية، وروحه غير موصولة بالسماء، هو ميت يزاحم الأحياء!
غارق هو في جحيم الجهل والبعد عن رب البريات، فلا حياة لقلب لم تخالطه بشاشة الإيمان، لم تُنِره معرفة الله، ولم تشرق بين ثناياه أنوار محبته والأنس به جل في علاه، فتلك جنة الدنيا التي عاش فيها العارفون بالله، وحدثونا عنها، فوصفوا لنا جمال أحوال مقامات العُبّاد الزّهاد، الذين أكرمهم الوهاب، فصارت أرواحهم تتقلب في نعيم عظيم، لا يقايضونه، ولو عرضت عليهم الدنيا بأسرها!
كيف لا وقد ذاقوا لذة وسعادة لا تعادلها كل ملذات وسعادات الحياة الدنيا، إنها لذة القرب والأنس بخالق الأكوان، ولهج القلب واللسان بذكره على الدوام، تلك هي جنة الدنيا والنعيم المعجل لأولياء الله من الصالحين، الذين اصطفاهم بمحبته ورضاه.
معرفة الله والأنس به حياة للقلب وسعادة لا تضاهى..
من دخلوا جنة القرب وذاقوا نعيمها، في الحياة الدنيا هم وحدهم الأحياء، وأولئك حقا هم السعداء.
بقلمي
زينة لعجيمي /الجزائر
تحرير/ دعاء محمود












Discussion about this post