كتب رياض الفرطوسي
في قلب كل حرب تكمن دروس لم تُدرس بعد، حقائق لا تظهر إلا حين تصطدم الخطط بالواقع. الحرب الجارية على إيران تكشف الآن أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي، وأن الحسابات الخاطئة قد تتحول سريعاً إلى مأزق لا يُحتمل.
لم تمضِ سوى أيام قليلة على انطلاق العمليات حتى بدأت علامات تعقيدات غير مسبوقة في الظهور، بعيداً عن تلك الصورة الوردية التي رسمتها خرائط التخطيط العسكري. على الرغم من تأكيد البيت الأبيض أن المخزونات الأمريكية من الأسلحة كافية لتلبية الاحتياجات العملياتية في النزاع الجاري مع إيران (كما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت للصحفيين حول توفر الذخائر الكافية), إلا أن التحديات على الأرض تختلف في طبيعتها، فقد تضاعفت الحاجة إلى الذخائر الموجَّهة وأنظمة الاعتراض المتقدمة وسط كثافة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي تلجأ إليها طهران بكثافة (وفق ما ذكر تقرير صحفي عن مناقشات إدارة ترمب مع كبار متعاقدي الدفاع الأمريكيين حول زيادة إنتاج الذخائر بأربعة أضعاف). عن صحيفة الخليج
كما تزايدت الضربات الإيرانية على مواقع مختلفة في المنطقة، بما في ذلك منشآت قريبة من قواعد أمريكية، ما يعكس صعوبة السيطرة المطلقة على الميدان، وليس فقط التفوق التكنولوجي على الخرائط. تقارير دولية أشارت إلى أن إيران استخدمت بالفعل أسلحة مسيرة وصواريخ بأسلوب مكثف يربك الدفاعات التقليدية، وهو ما جعل بعض منظومات الاعتراض الأمريكية تواجه ضغطاً عالياً في محاولة لحماية المواقع الحساسة. كما لاحظت مصادر استخباراتية ( أن استخدام الطائرات المسيّرة يشكل تحدياً لوجستياً واستراتيجياً جديداً في الحروب الحديثة ). عن صحيفة اليوم السابع
في إسرائيل، كانت الصواريخ الإيرانية أسرع وأكثر قوة مما توقعت أجهزة الاستخبارات، ومع فتح الجبهة اللبنانية ظهر أن الكثير مما أعلن عن تدمير قدرات حزب الله كان مبالغاً فيه. الضربة الأولى التي استهدفت القادة الإيرانيين كانت موجعة، لكنها لم تعرقل الرد السريع من طهران، والذي بدأ خلال ساعة واحدة، مثبتاً أن الدولة لم تنهار، وأن الرد الإيراني لم يكن مجرد تكتيك بل استراتيجية متقنة.
الأخطر كان إغلاق مضيق هرمز، ما هز أمن الطاقة العالمي وأشعل أسعار النفط. إعلان الولايات المتحدة عن قوة بحرية دولية لمرافقة السفن كان خطوة رمزية أكثر منها عملية، لأنها وضعت السفن تحت تهديد الصواريخ الساحلية والزوارق السريعة والألغام الإيرانية. وفي الوقت نفسه، بدأ الضغط على حلفاء أوروبا لدعم الحرب، رغم ضعف قدراتهم العسكرية وانشغالهم بالأزمات الأخرى، ما كشف عن هشاشة القوة الدولية أمام مواجهة معقدة.
الخيار البري اجتياحياً يبدو شبه مستحيل. أي تقدم بري يحتاج حشوداً ضخمة، جبهات متعددة، ووقتاً لا يتوفر. لا المجموعات الكردية قادرة على إنجاز المهمة، ولا أذربيجان تمتلك القوة الكافية حتى لو وافقت. والأمر تعقد أكثر مع اغتيال المرشد الإيراني وظهور فتوى تسمح بإنتاج سلاح نووي، ما يرفع مستوى المخاطر ويحوّل أي تصعيد إلى احتمال أزمة عالمية.
المدن العسكرية الإيرانية المدفونة في أعماق الجبال، ومنصات إطلاق الصواريخ والمسيرات المخفية، أظهرت أن السيطرة الكاملة على السماء والبحر لا تعني القدرة على القضاء على تهديدات الأرض. الموارد الأمريكية من القنابل الثقيلة محدودة، وإنتاج المزيد يحتاج وقتاً وتكاليف ضخمة، ما يجعل أي خيار سريع محفوفاً بالمخاطر.
النتيجة واضحة: الولايات المتحدة أمام معادلة صعبة. التراجع سيهز مكانتها ويمنح إيران وأعداءها ثقة أكبر، بينما الاستمرار في الحرب قد يؤدي إلى خسائر فادحة ونفاد الذخائر الدقيقة، دون ضمان تحقيق أهداف استراتيجية. الوقت لا يصنع صفقات مفيدة، خطوط الإمداد طويلة، مضيق هرمز مغلق، والاقتصاد العالمي يتأرجح تحت وطأة الحرب.
من هذه الحرب، يمكن استخلاص دروس جوهرية: أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي، وأن التخطيط يجب أن يتجاوز الحسابات المادية ليشمل السياسة، التحالفات، والردود المحتملة من كل طرف. وأن أي حرب معقدة، مهما كانت القوة المستخدمة، قد تتطور إلى مأزق استراتيجي يفرض البحث عن حلول دبلوماسية، ولو بعد أن تصبح الخيارات العسكرية أقل جاذبية وأكثر خطورة.
في النهاية، الحرب الجارية تعلمنا أن العظمة العسكرية لا تعني دائماً النجاح، وأن التاريخ يُصاغ أحياناً في لحظات ضعف القوة، حيث يظهر تأثير القرار، الصبر، والفهم العميق للمخاطر.

















Discussion about this post