قراءة نقدية: ” الققجية بين أفق توقع المتلقي وأفق النص”:
(المسافة الجمالية في نظرية التلقي الحديثة)
الققجية: “خرس الزمن”
الكاتبة السورية: الهام عيسى
الناقدة التونسية: جليلة المازني
القراءة النقدية: ” الققجية بين أفق توقع المتلقي وأفق النص”:
(المسافة الجمالية في نظرية التلقي الحديثة)
1- في قراءة العنوان:
اتخذت الكاتبة عنوانا للققجية (خرس الزمن) قائما على التشخيص والتجسيد فاعتبرت الزمن شخصا يخرس ويصمت صمتا مطبقا.
ودلالة عبارة “خرس الزمن” حسب المختصين تشير الى توقف الاحداث أو صمت التاريخ عن البوح, حيث يُستخدم التعبير مجازيا للإشارة الى لحظات تأملية صامتة أو فقدان القدرة على التعبير عن فظاعة أو عظمة حدث ما.. إنه الصمت المطبق ,حيث لا تعود الأيام تردد صدى الاصوات وكأن الزمن أصبح عجوزا او صخرا لا يرجع صدى ”
ومن أبرز دلالات “خرس الزمن”:
– عجز الزمن عن السرد: توقف التاريخ عن سرد الاحداث.
– التأمل والصمت: سكون شامل يرمز للتفكير العميق .
– تجمد الأحداث: حالة من الجمود تصف توقف الحياة أو الذاكرة
– انعقاد اللسان: كناية عن العجز عن النطق او وصف حال معيّن
وفي هذا الاطار قد يتدخل القارئ بفضوله متسائلا:
– أي حدث فظيع او عظيم توقف فيه التاريخ عن سرد الاحداث؟
– أي حدث فظيع أو عظيم يقتضي التأمل والصمت للتفكير العميق؟
– أي حدث فظيع او عظيم اقتضى هذا الصمت المطبق؟
– أي حدث فظيع او عظيم اقتضى حالة من الجمود تصف توقف الحياة او الذاكرة؟
كل هذه التساؤلات قد نقف على فهمها في غضون تحليل الققجية.
2- التحليل: ” الققجية بين أفق توقع المتلقي و أفق النص”:
استهلت الكاتبة الققجية بظرف زماني “على أكتاف الفجر”
وعبارة “أكتاف الفجر” تشير حسب المختصين الى “البدايات الأولى لطلوع الفجر الصادق وتمثل وقت الاستيقاظ والنشاط الروحي وبداية يوم جديد ببركة صلاة الفجر التي تحمل فضائل عظيمة ونورا يوم القيامة وراحة للقلب.”
وهي تعبير أدبي يرمز للأمل والنقاء.
وبالتالي هل ان هذا الاطار الزماني المبارك (على اكتاف الفجر) يمثل:
– وقت الاستيقاظ والنشاط الروحي؟
– بداية يوم جديد ببركة صلاة الفجر التي تحمل فضائل عظيمة؟
ان أفق توقعات القارئ المسبقة حول الاطار الزماني الذي استهلت به الكاتبة لا يعكس أفق توقع النص الجديد وهذا ما يعبر عنه آيزر وياوس في نظرية التلقي الحديثة (1) بالمسافة الجمالية وهي الفجوة أو “اللاتوافق” بين أفق توقعات القارئ المسبقة (مرجعياته الثقافية والفنية) وبين أفق النص الجديد .
والمسافة الجمالية هي معيار لقياس قيمة العمل الفني وكلما زادت هذه المسافة (كسر التوقع) ارتفعت القيمة الجمالية للنص مما يجبر القارئ على تجاوز توقعاته وبناء أفق جديد في خدمة التأويل وتكثيف المعنى الذي هو من طبيعة الققجية المحكومة بثنائية الايجاز والتكثيف.
وتواصل الكاتبة في كسر التوقع بين أفق توقع القارئ وأفق النص حين تقول:
“نهضوا من غفوتهم .كان الضوء يرفع الآذان”
ان الزمان (الفجر) والحدث (رفع الآذان) والشخصية الجماعية (نهضوا من غفوتهم) هي من مقومات السرد.
وبالتالي فمقومات السرد من زمان وحدث وشخصية جماعية قد جعلت الكاتبة الهام عيسى تغرق القارئ في توقعه بان الوقت وقت صلاة الفجر.
بيْد ان الكاتبة تكسر أفق انتظار القارئ وتنتهك حرمة تفكيره ومرجعيته الثقافية وتحول أفق توقعه من آذان الفجر الى خبر مفاجئ فتقول:” يومئ بالنبأ العظيم”.
والنبأ العظيم كما ورد في سورة النبأ “عما يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون” الآية (1). من معانيه حسب موقع اسلام ويب يوم القيامة بما فيه من أهوال وحساب وجزاء وعلى البعث والنشور بعد الموت.
وبالتالي :
– هل سيتحول توقع القارئ من زمن مقدس وطمأنينة نفسية الى يوم قيامة بما فيه من أهوال وحساب وجزاء؟
– هل ستصيب القارئ الدهشة فيتحول الخشوع في الزمن المقدس الى تشتت في التفكير بين رجاء واستجداء ورعب و خوف؟
تقول الكاتبة: “رؤوسهم معلقة بالرجاء , مغلفة بالهواجس, مرتجفة بالخوف”
وبالتالي هل ان هذا المشهد المستضعف من الشخصية الجماعية يقتضي التأمل العميق وتوقف التاريخ ويصف حالة من الجمود توقف الحياة او الذاكرة..؟
في هذا الاطار المخيف وباستخدام أسلوب انزياحي دلالي وتركيبي قائم على التجسيد والتشخيص وبنبرة ساخرة تجعل الزمان يلجم صوت المكان فتقول:
ضحك الدهر وهو يفتح شقوق الذاكرة. اهتزّ الطريق حافي الكلمات
والدهر له رمزيته في الأدب حيث يرمز الى القوة القاهرة (الموت) وهي رمز الفناء حيث ينسب اليه الناس إهلاك الأنفس.
ان الكاتبة تستخدم صورة أدبية حسية تجعل هذه القوة القاهرة(الدهر) تتهكم على حاضر المكان بالاستناد على الماضي الأليم الذي اتسم بالتقلب والفناء ونوائب القدر لتخمد الصوت وتخرس الزمان والمكان معا.
وكأني بالكاتبة تسعى الى إقناع القارئ بأن الزمان والمكان يقتل كلّ نفَسٍ من أنفاس هذه الشخصية الجماعية.
وهاهي الكاتبة تتحول من التلميح الى التصريح لتصرّح بان الجرح قديم (معتقا).
وصفة المعتق تنسب الى صفات الخمرة التي ينتشي بها شاربها
وكأني بالكاتبة تصف الوقت ب “السادية” لأنه يستمتع بالحاق الإساءة والفناء الى هذه الشخصية الجماعية فتقول: “الوقت تنفس جرحا معتقا”.
وما كان حاضر هذه المجموعة الا تخليدا لها فتقول:
” جلست الكلمات على كتف الحاضر، سارت ببطء. الطرقات تردّد صدى أصواتهم، والكتب تتدثّر بدفء أيديهم. الجدران تحمل صورهم، تخلّد أسماءهم في صناعة الزمن.
كأني بالكاتبة وباستخدام لغة الحواس( جلست/ سارت/ تردّد/ تتدثر/ تحمل..) تحوّل الضغوطات الى موارد لتجعل هذه الشخصية الجماعية تحوّل تضحيتها الى خلود بصناعة التاريخ.
وتختم الكاتبة بقفلة لتضع نقطة نهاية للكلام بتدوين هذه الشخصية الجماعية انتصارها على كهنة معبد آمون.
وكهنة معبد آمون يرمزون في هذا السياق الى الكافرين الذي عارضوا النبي يوسف ثم ذهبت ريحهم وأصبحوا من الماضي كما أصبح مرورهم من الماضي أمام هذه الشخصية الجماعية.
ولئن جعلت الكاتبة في العنوان الخرس يصيب الزمن فانها جعلته في القفلة يصيب الكلام ليصبح الزمن زمن هذه الشخصية الجماعية الخالدة بتضحيتها.
والكاتبة بذلك تكسر أفق انتظار المتلقي ليندهش حين ينقلب المشهد ويتحول من مشهد جماعة مستضعفة ومتضرعة وخائفة الى مشهد خلود وتحدّ لأمثال كهنة معبد آمون الكافرين انتصارا عليهم.
– ولئن كان الاستهلال يوحي بزمن مقدس وهو وقت الصلاة فان القفلة توحي باندثار الكافرين من أمثال كهنة معبد آمون.
– ولئن كان الاستهلال يوحي بالروحانيات وقداسة صلاة الفجر فان متن الققجية يكسرأفق انتظار القارئ لتجعل الكاتبة أفق النص يقلب الطاولة على أفق توقع القارئ وتتحول الشخصية الجماعية التي توقعها القارئ من المصلين الى مجموعة من المستضعفين الخائفين والضحايا ثم يتحول لتزيد في جمالية المسافة بين أفق توقع المتلقي وافق النص لتجعل هذه الشخصية الجماعية من الخالدين.
– لئن كان متن الققجية يبشر بخلود الضحايا فان القفلة تنذر باندثار الكافرين من كهنة معبد آمون.
وخلاصة القول فان الكاتبة الهام عيسى في ققجية “خرس الزمن” قد لعبت على ثنائية “أفق توقع المتلقي وأفق النص” بتوظيف إحدى أدوات نظرية التلقي الحديثة وهي المسافة الجمالية في النص شكلا ومضمونا :
– على مستوى الشكل : لقد غطت هذه المسافة الجمالية كل معمار الققجية من استهلال مرورا بالمتن ووصولا الى القفلة.
– على مستوى المضمون : ان المسافة الجمالية بين أفق توقع القارئ وأفق النص قد أتاحت للقارئ فرصة مكثفة من التأويل الماتع.
ولعل دلالة العنوان”خرس الزمن” هي لحظة تأمل عميق في كل ما طرح في الققجية.
ولعل استخدام الكاتبة أداة ” المسافة الجمالية “من نظرية التلقي الحديثة هي اتاحة الفرصة للمتلقي لإعادة النظر في أفق توقعاته لصالح أفق النص .
ان المسافة الجمالية هي المحرك التفاعلي الذي يحول القارئ من متلق سلبي الى مشارك في انتاج دلالات النص من خلال التفاعل مع ما هو غير متوقع…
سلم قلم ايقونة الققجيات هذا القلم المسكون بروح التجديد والاستثناء.
بتاريخ 10/ 03/ 2026
المراجع:
(1) المسافة الجمالية في رواية “أصابع لوليتا” لواسيني الاعرج- الكاتب بارة خولة.عزاب عبد الرحيم- مجلة علوم اللغة العربية وآدابها-15/ 03/ 2021
خرس الزمن. ق ق ج
بقلم الهام عيسى
على أكتاف الفجر نهضوا من غفوتهم. كان الضوء يرفع الأذان، يومئ بالنبأ العظيم. رؤوسهم معلّقة بالرجاء، مغلّفة بالهواجس، مرتجفة بالخوف. ضحك الدهر وهو يفتح شقوق الذاكرة. اهتزّ الطريق حافي الكلمات.
الوقت تنفّس جرحًا معتّقًا. جلست الكلمات على كتف
الحاضر، سارت ببطء. الطرقات تردّد صدى أصواتهم، والكتب تتدثّر بدفء أيديهم. الجدران تحمل صورهم، تخلّد أسماءهم في صناعة الزمن.
خرس الكلام عندما دوّنوا.
من هنا مرّ كهنة معبد آمون.
قراءة نقدية: ” الققجية بين أفق توقع المتلقي وأفق النص”:
(المسافة الجمالية في نظرية التلقي الحديثة)
الققجية: “خرس الزمن”
الكاتبة السورية: الهام عيسى
الناقدة التونسية: جليلة المازني
القراءة النقدية: ” الققجية بين أفق توقع المتلقي وأفق النص”:
(المسافة الجمالية في نظرية التلقي الحديثة)
1- في قراءة العنوان:
اتخذت الكاتبة عنوانا للققجية (خرس الزمن) قائما على التشخيص والتجسيد فاعتبرت الزمن شخصا يخرس ويصمت صمتا مطبقا.
ودلالة عبارة “خرس الزمن” حسب المختصين تشير الى توقف الاحداث أو صمت التاريخ عن البوح, حيث يُستخدم التعبير مجازيا للإشارة الى لحظات تأملية صامتة أو فقدان القدرة على التعبير عن فظاعة أو عظمة حدث ما.. إنه الصمت المطبق ,حيث لا تعود الأيام تردد صدى الاصوات وكأن الزمن أصبح عجوزا او صخرا لا يرجع صدى ”
ومن أبرز دلالات “خرس الزمن”:
– عجز الزمن عن السرد: توقف التاريخ عن سرد الاحداث.
– التأمل والصمت: سكون شامل يرمز للتفكير العميق .
– تجمد الأحداث: حالة من الجمود تصف توقف الحياة أو الذاكرة
– انعقاد اللسان: كناية عن العجز عن النطق او وصف حال معيّن
وفي هذا الاطار قد يتدخل القارئ بفضوله متسائلا:
– أي حدث فظيع او عظيم توقف فيه التاريخ عن سرد الاحداث؟
– أي حدث فظيع أو عظيم يقتضي التأمل والصمت للتفكير العميق؟
– أي حدث فظيع او عظيم اقتضى هذا الصمت المطبق؟
– أي حدث فظيع او عظيم اقتضى حالة من الجمود تصف توقف الحياة او الذاكرة؟
كل هذه التساؤلات قد نقف على فهمها في غضون تحليل الققجية.
2- التحليل: ” الققجية بين أفق توقع المتلقي و أفق النص”:
استهلت الكاتبة الققجية بظرف زماني “على أكتاف الفجر”
وعبارة “أكتاف الفجر” تشير حسب المختصين الى “البدايات الأولى لطلوع الفجر الصادق وتمثل وقت الاستيقاظ والنشاط الروحي وبداية يوم جديد ببركة صلاة الفجر التي تحمل فضائل عظيمة ونورا يوم القيامة وراحة للقلب.”
وهي تعبير أدبي يرمز للأمل والنقاء.
وبالتالي هل ان هذا الاطار الزماني المبارك (على اكتاف الفجر) يمثل:
– وقت الاستيقاظ والنشاط الروحي؟
– بداية يوم جديد ببركة صلاة الفجر التي تحمل فضائل عظيمة؟
ان أفق توقعات القارئ المسبقة حول الاطار الزماني الذي استهلت به الكاتبة لا يعكس أفق توقع النص الجديد وهذا ما يعبر عنه آيزر وياوس في نظرية التلقي الحديثة (1) بالمسافة الجمالية وهي الفجوة أو “اللاتوافق” بين أفق توقعات القارئ المسبقة (مرجعياته الثقافية والفنية) وبين أفق النص الجديد .
والمسافة الجمالية هي معيار لقياس قيمة العمل الفني وكلما زادت هذه المسافة (كسر التوقع) ارتفعت القيمة الجمالية للنص مما يجبر القارئ على تجاوز توقعاته وبناء أفق جديد في خدمة التأويل وتكثيف المعنى الذي هو من طبيعة الققجية المحكومة بثنائية الايجاز والتكثيف.
وتواصل الكاتبة في كسر التوقع بين أفق توقع القارئ وأفق النص حين تقول:
“نهضوا من غفوتهم .كان الضوء يرفع الآذان”
ان الزمان (الفجر) والحدث (رفع الآذان) والشخصية الجماعية (نهضوا من غفوتهم) هي من مقومات السرد.
وبالتالي فمقومات السرد من زمان وحدث وشخصية جماعية قد جعلت الكاتبة الهام عيسى تغرق القارئ في توقعه بان الوقت وقت صلاة الفجر.
بيْد ان الكاتبة تكسر أفق انتظار القارئ وتنتهك حرمة تفكيره ومرجعيته الثقافية وتحول أفق توقعه من آذان الفجر الى خبر مفاجئ فتقول:” يومئ بالنبأ العظيم”.
والنبأ العظيم كما ورد في سورة النبأ “عما يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون” الآية (1). من معانيه حسب موقع اسلام ويب يوم القيامة بما فيه من أهوال وحساب وجزاء وعلى البعث والنشور بعد الموت.
وبالتالي :
– هل سيتحول توقع القارئ من زمن مقدس وطمأنينة نفسية الى يوم قيامة بما فيه من أهوال وحساب وجزاء؟
– هل ستصيب القارئ الدهشة فيتحول الخشوع في الزمن المقدس الى تشتت في التفكير بين رجاء واستجداء ورعب و خوف؟
تقول الكاتبة: “رؤوسهم معلقة بالرجاء , مغلفة بالهواجس, مرتجفة بالخوف”
وبالتالي هل ان هذا المشهد المستضعف من الشخصية الجماعية يقتضي التأمل العميق وتوقف التاريخ ويصف حالة من الجمود توقف الحياة او الذاكرة..؟
في هذا الاطار المخيف وباستخدام أسلوب انزياحي دلالي وتركيبي قائم على التجسيد والتشخيص وبنبرة ساخرة تجعل الزمان يلجم صوت المكان فتقول:
ضحك الدهر وهو يفتح شقوق الذاكرة. اهتزّ الطريق حافي الكلمات
والدهر له رمزيته في الأدب حيث يرمز الى القوة القاهرة (الموت) وهي رمز الفناء حيث ينسب اليه الناس إهلاك الأنفس.
ان الكاتبة تستخدم صورة أدبية حسية تجعل هذه القوة القاهرة(الدهر) تتهكم على حاضر المكان بالاستناد على الماضي الأليم الذي اتسم بالتقلب والفناء ونوائب القدر لتخمد الصوت وتخرس الزمان والمكان معا.
وكأني بالكاتبة تسعى الى إقناع القارئ بأن الزمان والمكان يقتل كلّ نفَسٍ من أنفاس هذه الشخصية الجماعية.
وهاهي الكاتبة تتحول من التلميح الى التصريح لتصرّح بان الجرح قديم (معتقا).
وصفة المعتق تنسب الى صفات الخمرة التي ينتشي بها شاربها
وكأني بالكاتبة تصف الوقت ب “السادية” لأنه يستمتع بالحاق الإساءة والفناء الى هذه الشخصية الجماعية فتقول: “الوقت تنفس جرحا معتقا”.
وما كان حاضر هذه المجموعة الا تخليدا لها فتقول:
” جلست الكلمات على كتف الحاضر، سارت ببطء. الطرقات تردّد صدى أصواتهم، والكتب تتدثّر بدفء أيديهم. الجدران تحمل صورهم، تخلّد أسماءهم في صناعة الزمن.
كأني بالكاتبة وباستخدام لغة الحواس( جلست/ سارت/ تردّد/ تتدثر/ تحمل..) تحوّل الضغوطات الى موارد لتجعل هذه الشخصية الجماعية تحوّل تضحيتها الى خلود بصناعة التاريخ.
وتختم الكاتبة بقفلة لتضع نقطة نهاية للكلام بتدوين هذه الشخصية الجماعية انتصارها على كهنة معبد آمون.
وكهنة معبد آمون يرمزون في هذا السياق الى الكافرين الذي عارضوا النبي يوسف ثم ذهبت ريحهم وأصبحوا من الماضي كما أصبح مرورهم من الماضي أمام هذه الشخصية الجماعية.
ولئن جعلت الكاتبة في العنوان الخرس يصيب الزمن فانها جعلته في القفلة يصيب الكلام ليصبح الزمن زمن هذه الشخصية الجماعية الخالدة بتضحيتها.
والكاتبة بذلك تكسر أفق انتظار المتلقي ليندهش حين ينقلب المشهد ويتحول من مشهد جماعة مستضعفة ومتضرعة وخائفة الى مشهد خلود وتحدّ لأمثال كهنة معبد آمون الكافرين انتصارا عليهم.
– ولئن كان الاستهلال يوحي بزمن مقدس وهو وقت الصلاة فان القفلة توحي باندثار الكافرين من أمثال كهنة معبد آمون.
– ولئن كان الاستهلال يوحي بالروحانيات وقداسة صلاة الفجر فان متن الققجية يكسرأفق انتظار القارئ لتجعل الكاتبة أفق النص يقلب الطاولة على أفق توقع القارئ وتتحول الشخصية الجماعية التي توقعها القارئ من المصلين الى مجموعة من المستضعفين الخائفين والضحايا ثم يتحول لتزيد في جمالية المسافة بين أفق توقع المتلقي وافق النص لتجعل هذه الشخصية الجماعية من الخالدين.
– لئن كان متن الققجية يبشر بخلود الضحايا فان القفلة تنذر باندثار الكافرين من كهنة معبد آمون.
وخلاصة القول فان الكاتبة الهام عيسى في ققجية “خرس الزمن” قد لعبت على ثنائية “أفق توقع المتلقي وأفق النص” بتوظيف إحدى أدوات نظرية التلقي الحديثة وهي المسافة الجمالية في النص شكلا ومضمونا :
– على مستوى الشكل : لقد غطت هذه المسافة الجمالية كل معمار الققجية من استهلال مرورا بالمتن ووصولا الى القفلة.
– على مستوى المضمون : ان المسافة الجمالية بين أفق توقع القارئ وأفق النص قد أتاحت للقارئ فرصة مكثفة من التأويل الماتع.
ولعل دلالة العنوان”خرس الزمن” هي لحظة تأمل عميق في كل ما طرح في الققجية.
ولعل استخدام الكاتبة أداة ” المسافة الجمالية “من نظرية التلقي الحديثة هي اتاحة الفرصة للمتلقي لإعادة النظر في أفق توقعاته لصالح أفق النص .
ان المسافة الجمالية هي المحرك التفاعلي الذي يحول القارئ من متلق سلبي الى مشارك في انتاج دلالات النص من خلال التفاعل مع ما هو غير متوقع…
سلم قلم ايقونة الققجيات هذا القلم المسكون بروح التجديد والاستثناء.
بتاريخ 10/ 03/ 2026
المراجع:
(1) المسافة الجمالية في رواية “أصابع لوليتا” لواسيني الاعرج- الكاتب بارة خولة.عزاب عبد الرحيم- مجلة علوم اللغة العربية وآدابها-15/ 03/ 2021
خرس الزمن. ق ق ج
بقلم الهام عيسى
على أكتاف الفجر نهضوا من غفوتهم. كان الضوء يرفع الأذان، يومئ بالنبأ العظيم. رؤوسهم معلّقة بالرجاء، مغلّفة بالهواجس، مرتجفة بالخوف. ضحك الدهر وهو يفتح شقوق الذاكرة. اهتزّ الطريق حافي الكلمات.
الوقت تنفّس جرحًا معتّقًا. جلست الكلمات على كتف
الحاضر، سارت ببطء. الطرقات تردّد صدى أصواتهم، والكتب تتدثّر بدفء أيديهم. الجدران تحمل صورهم، تخلّد أسماءهم في صناعة الزمن.
خرس الكلام عندما دوّنوا.
من هنا مرّ كهنة معبد آمون.
.
قراءة نقدية: ” الققجية بين أفق توقع المتلقي وأفق النص”:
(المسافة الجمالية في نظرية التلقي الحديثة)
الققجية: “خرس الزمن”
الكاتبة السورية: الهام عيسى
الناقدة التونسية: جليلة المازني
القراءة النقدية: ” الققجية بين أفق توقع المتلقي وأفق النص”:
(المسافة الجمالية في نظرية التلقي الحديثة)
1- في قراءة العنوان:
اتخذت الكاتبة عنوانا للققجية (خرس الزمن) قائما على التشخيص والتجسيد فاعتبرت الزمن شخصا يخرس ويصمت صمتا مطبقا.
ودلالة عبارة “خرس الزمن” حسب المختصين تشير الى توقف الاحداث أو صمت التاريخ عن البوح, حيث يُستخدم التعبير مجازيا للإشارة الى لحظات تأملية صامتة أو فقدان القدرة على التعبير عن فظاعة أو عظمة حدث ما.. إنه الصمت المطبق ,حيث لا تعود الأيام تردد صدى الاصوات وكأن الزمن أصبح عجوزا او صخرا لا يرجع صدى ”
ومن أبرز دلالات “خرس الزمن”:
– عجز الزمن عن السرد: توقف التاريخ عن سرد الاحداث.
– التأمل والصمت: سكون شامل يرمز للتفكير العميق .
– تجمد الأحداث: حالة من الجمود تصف توقف الحياة أو الذاكرة
– انعقاد اللسان: كناية عن العجز عن النطق او وصف حال معيّن
وفي هذا الاطار قد يتدخل القارئ بفضوله متسائلا:
– أي حدث فظيع او عظيم توقف فيه التاريخ عن سرد الاحداث؟
– أي حدث فظيع أو عظيم يقتضي التأمل والصمت للتفكير العميق؟
– أي حدث فظيع او عظيم اقتضى هذا الصمت المطبق؟
– أي حدث فظيع او عظيم اقتضى حالة من الجمود تصف توقف الحياة او الذاكرة؟
كل هذه التساؤلات قد نقف على فهمها في غضون تحليل الققجية.
2- التحليل: ” الققجية بين أفق توقع المتلقي و أفق النص”:
استهلت الكاتبة الققجية بظرف زماني “على أكتاف الفجر”
وعبارة “أكتاف الفجر” تشير حسب المختصين الى “البدايات الأولى لطلوع الفجر الصادق وتمثل وقت الاستيقاظ والنشاط الروحي وبداية يوم جديد ببركة صلاة الفجر التي تحمل فضائل عظيمة ونورا يوم القيامة وراحة للقلب.”
وهي تعبير أدبي يرمز للأمل والنقاء.
وبالتالي هل ان هذا الاطار الزماني المبارك (على اكتاف الفجر) يمثل:
– وقت الاستيقاظ والنشاط الروحي؟
– بداية يوم جديد ببركة صلاة الفجر التي تحمل فضائل عظيمة؟
ان أفق توقعات القارئ المسبقة حول الاطار الزماني الذي استهلت به الكاتبة لا يعكس أفق توقع النص الجديد وهذا ما يعبر عنه آيزر وياوس في نظرية التلقي الحديثة (1) بالمسافة الجمالية وهي الفجوة أو “اللاتوافق” بين أفق توقعات القارئ المسبقة (مرجعياته الثقافية والفنية) وبين أفق النص الجديد .
والمسافة الجمالية هي معيار لقياس قيمة العمل الفني وكلما زادت هذه المسافة (كسر التوقع) ارتفعت القيمة الجمالية للنص مما يجبر القارئ على تجاوز توقعاته وبناء أفق جديد في خدمة التأويل وتكثيف المعنى الذي هو من طبيعة الققجية المحكومة بثنائية الايجاز والتكثيف.
وتواصل الكاتبة في كسر التوقع بين أفق توقع القارئ وأفق النص حين تقول:
“نهضوا من غفوتهم .كان الضوء يرفع الآذان”
ان الزمان (الفجر) والحدث (رفع الآذان) والشخصية الجماعية (نهضوا من غفوتهم) هي من مقومات السرد.
وبالتالي فمقومات السرد من زمان وحدث وشخصية جماعية قد جعلت الكاتبة الهام عيسى تغرق القارئ في توقعه بان الوقت وقت صلاة الفجر.
بيْد ان الكاتبة تكسر أفق انتظار القارئ وتنتهك حرمة تفكيره ومرجعيته الثقافية وتحول أفق توقعه من آذان الفجر الى خبر مفاجئ فتقول:” يومئ بالنبأ العظيم”.
والنبأ العظيم كما ورد في سورة النبأ “عما يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون” الآية (1). من معانيه حسب موقع اسلام ويب يوم القيامة بما فيه من أهوال وحساب وجزاء وعلى البعث والنشور بعد الموت.
وبالتالي :
– هل سيتحول توقع القارئ من زمن مقدس وطمأنينة نفسية الى يوم قيامة بما فيه من أهوال وحساب وجزاء؟
– هل ستصيب القارئ الدهشة فيتحول الخشوع في الزمن المقدس الى تشتت في التفكير بين رجاء واستجداء ورعب و خوف؟
تقول الكاتبة: “رؤوسهم معلقة بالرجاء , مغلفة بالهواجس, مرتجفة بالخوف”
وبالتالي هل ان هذا المشهد المستضعف من الشخصية الجماعية يقتضي التأمل العميق وتوقف التاريخ ويصف حالة من الجمود توقف الحياة او الذاكرة..؟
في هذا الاطار المخيف وباستخدام أسلوب انزياحي دلالي وتركيبي قائم على التجسيد والتشخيص وبنبرة ساخرة تجعل الزمان يلجم صوت المكان فتقول:
ضحك الدهر وهو يفتح شقوق الذاكرة. اهتزّ الطريق حافي الكلمات
والدهر له رمزيته في الأدب حيث يرمز الى القوة القاهرة (الموت) وهي رمز الفناء حيث ينسب اليه الناس إهلاك الأنفس.
ان الكاتبة تستخدم صورة أدبية حسية تجعل هذه القوة القاهرة(الدهر) تتهكم على حاضر المكان بالاستناد على الماضي الأليم الذي اتسم بالتقلب والفناء ونوائب القدر لتخمد الصوت وتخرس الزمان والمكان معا.
وكأني بالكاتبة تسعى الى إقناع القارئ بأن الزمان والمكان يقتل كلّ نفَسٍ من أنفاس هذه الشخصية الجماعية.
وهاهي الكاتبة تتحول من التلميح الى التصريح لتصرّح بان الجرح قديم (معتقا).
وصفة المعتق تنسب الى صفات الخمرة التي ينتشي بها شاربها
وكأني بالكاتبة تصف الوقت ب “السادية” لأنه يستمتع بالحاق الإساءة والفناء الى هذه الشخصية الجماعية فتقول: “الوقت تنفس جرحا معتقا”.
وما كان حاضر هذه المجموعة الا تخليدا لها فتقول:
” جلست الكلمات على كتف الحاضر، سارت ببطء. الطرقات تردّد صدى أصواتهم، والكتب تتدثّر بدفء أيديهم. الجدران تحمل صورهم، تخلّد أسماءهم في صناعة الزمن.
كأني بالكاتبة وباستخدام لغة الحواس( جلست/ سارت/ تردّد/ تتدثر/ تحمل..) تحوّل الضغوطات الى موارد لتجعل هذه الشخصية الجماعية تحوّل تضحيتها الى خلود بصناعة التاريخ.
وتختم الكاتبة بقفلة لتضع نقطة نهاية للكلام بتدوين هذه الشخصية الجماعية انتصارها على كهنة معبد آمون.
وكهنة معبد آمون يرمزون في هذا السياق الى الكافرين الذي عارضوا النبي يوسف ثم ذهبت ريحهم وأصبحوا من الماضي كما أصبح مرورهم من الماضي أمام هذه الشخصية الجماعية.
ولئن جعلت الكاتبة في العنوان الخرس يصيب الزمن فانها جعلته في القفلة يصيب الكلام ليصبح الزمن زمن هذه الشخصية الجماعية الخالدة بتضحيتها.
والكاتبة بذلك تكسر أفق انتظار المتلقي ليندهش حين ينقلب المشهد ويتحول من مشهد جماعة مستضعفة ومتضرعة وخائفة الى مشهد خلود وتحدّ لأمثال كهنة معبد آمون الكافرين انتصارا عليهم.
– ولئن كان الاستهلال يوحي بزمن مقدس وهو وقت الصلاة فان القفلة توحي باندثار الكافرين من أمثال كهنة معبد آمون.
– ولئن كان الاستهلال يوحي بالروحانيات وقداسة صلاة الفجر فان متن الققجية يكسرأفق انتظار القارئ لتجعل الكاتبة أفق النص يقلب الطاولة على أفق توقع القارئ وتتحول الشخصية الجماعية التي توقعها القارئ من المصلين الى مجموعة من المستضعفين الخائفين والضحايا ثم يتحول لتزيد في جمالية المسافة بين أفق توقع المتلقي وافق النص لتجعل هذه الشخصية الجماعية من الخالدين.
– لئن كان متن الققجية يبشر بخلود الضحايا فان القفلة تنذر باندثار الكافرين من كهنة معبد آمون.
وخلاصة القول فان الكاتبة الهام عيسى في ققجية “خرس الزمن” قد لعبت على ثنائية “أفق توقع المتلقي وأفق النص” بتوظيف إحدى أدوات نظرية التلقي الحديثة وهي المسافة الجمالية في النص شكلا ومضمونا :
– على مستوى الشكل : لقد غطت هذه المسافة الجمالية كل معمار الققجية من استهلال مرورا بالمتن ووصولا الى القفلة.
– على مستوى المضمون : ان المسافة الجمالية بين أفق توقع القارئ وأفق النص قد أتاحت للقارئ فرصة مكثفة من التأويل الماتع.
ولعل دلالة العنوان”خرس الزمن” هي لحظة تأمل عميق في كل ما طرح في الققجية.
ولعل استخدام الكاتبة أداة ” المسافة الجمالية “من نظرية التلقي الحديثة هي اتاحة الفرصة للمتلقي لإعادة النظر في أفق توقعاته لصالح أفق النص .
ان المسافة الجمالية هي المحرك التفاعلي الذي يحول القارئ من متلق سلبي الى مشارك في انتاج دلالات النص من خلال التفاعل مع ما هو غير متوقع…
سلم قلم ايقونة الققجيات هذا القلم المسكون بروح التجديد والاستثناء.
بتاريخ 10/ 03/ 2026
المراجع:
(1) المسافة الجمالية في رواية “أصابع لوليتا” لواسيني الاعرج- الكاتب بارة خولة.عزاب عبد الرحيم- مجلة علوم اللغة العربية وآدابها-15/ 03/ 2021
خرس الزمن. ق ق ج
بقلم الهام عيسى
على أكتاف الفجر نهضوا من غفوتهم. كان الضوء يرفع الأذان، يومئ بالنبأ العظيم. رؤوسهم معلّقة بالرجاء، مغلّفة بالهواجس، مرتجفة بالخوف. ضحك الدهر وهو يفتح شقوق الذاكرة. اهتزّ الطريق حافي الكلمات.
الوقت تنفّس جرحًا معتّقًا. جلست الكلمات على كتف
الحاضر، سارت ببطء. الطرقات تردّد صدى أصواتهم، والكتب تتدثّر بدفء أيديهم. الجدران تحمل صورهم، تخلّد أسماءهم في صناعة الزمن.
خرس الكلام عندما دوّنوا.
من هنا مرّ كهنة معبد آمون.
قراءة نقدية: ” الققجية بين أفق توقع المتلقي وأفق النص”:
(المسافة الجمالية في نظرية التلقي الحديثة)
الققجية: “خرس الزمن”
الكاتبة السورية: الهام عيسى
الناقدة التونسية: جليلة المازني
القراءة النقدية: ” الققجية بين أفق توقع المتلقي وأفق النص”:
(المسافة الجمالية في نظرية التلقي الحديثة)
1- في قراءة العنوان:
اتخذت الكاتبة عنوانا للققجية (خرس الزمن) قائما على التشخيص والتجسيد فاعتبرت الزمن شخصا يخرس ويصمت صمتا مطبقا.
ودلالة عبارة “خرس الزمن” حسب المختصين تشير الى توقف الاحداث أو صمت التاريخ عن البوح, حيث يُستخدم التعبير مجازيا للإشارة الى لحظات تأملية صامتة أو فقدان القدرة على التعبير عن فظاعة أو عظمة حدث ما.. إنه الصمت المطبق ,حيث لا تعود الأيام تردد صدى الاصوات وكأن الزمن أصبح عجوزا او صخرا لا يرجع صدى ”
ومن أبرز دلالات “خرس الزمن”:
– عجز الزمن عن السرد: توقف التاريخ عن سرد الاحداث.
– التأمل والصمت: سكون شامل يرمز للتفكير العميق .
– تجمد الأحداث: حالة من الجمود تصف توقف الحياة أو الذاكرة
– انعقاد اللسان: كناية عن العجز عن النطق او وصف حال معيّن
وفي هذا الاطار قد يتدخل القارئ بفضوله متسائلا:
– أي حدث فظيع او عظيم توقف فيه التاريخ عن سرد الاحداث؟
– أي حدث فظيع أو عظيم يقتضي التأمل والصمت للتفكير العميق؟
– أي حدث فظيع او عظيم اقتضى هذا الصمت المطبق؟
– أي حدث فظيع او عظيم اقتضى حالة من الجمود تصف توقف الحياة او الذاكرة؟
كل هذه التساؤلات قد نقف على فهمها في غضون تحليل الققجية.
2- التحليل: ” الققجية بين أفق توقع المتلقي و أفق النص”:
استهلت الكاتبة الققجية بظرف زماني “على أكتاف الفجر”
وعبارة “أكتاف الفجر” تشير حسب المختصين الى “البدايات الأولى لطلوع الفجر الصادق وتمثل وقت الاستيقاظ والنشاط الروحي وبداية يوم جديد ببركة صلاة الفجر التي تحمل فضائل عظيمة ونورا يوم القيامة وراحة للقلب.”
وهي تعبير أدبي يرمز للأمل والنقاء.
وبالتالي هل ان هذا الاطار الزماني المبارك (على اكتاف الفجر) يمثل:
– وقت الاستيقاظ والنشاط الروحي؟
– بداية يوم جديد ببركة صلاة الفجر التي تحمل فضائل عظيمة؟
ان أفق توقعات القارئ المسبقة حول الاطار الزماني الذي استهلت به الكاتبة لا يعكس أفق توقع النص الجديد وهذا ما يعبر عنه آيزر وياوس في نظرية التلقي الحديثة (1) بالمسافة الجمالية وهي الفجوة أو “اللاتوافق” بين أفق توقعات القارئ المسبقة (مرجعياته الثقافية والفنية) وبين أفق النص الجديد .
والمسافة الجمالية هي معيار لقياس قيمة العمل الفني وكلما زادت هذه المسافة (كسر التوقع) ارتفعت القيمة الجمالية للنص مما يجبر القارئ على تجاوز توقعاته وبناء أفق جديد في خدمة التأويل وتكثيف المعنى الذي هو من طبيعة الققجية المحكومة بثنائية الايجاز والتكثيف.
وتواصل الكاتبة في كسر التوقع بين أفق توقع القارئ وأفق النص حين تقول:
“نهضوا من غفوتهم .كان الضوء يرفع الآذان”
ان الزمان (الفجر) والحدث (رفع الآذان) والشخصية الجماعية (نهضوا من غفوتهم) هي من مقومات السرد.
وبالتالي فمقومات السرد من زمان وحدث وشخصية جماعية قد جعلت الكاتبة الهام عيسى تغرق القارئ في توقعه بان الوقت وقت صلاة الفجر.
بيْد ان الكاتبة تكسر أفق انتظار القارئ وتنتهك حرمة تفكيره ومرجعيته الثقافية وتحول أفق توقعه من آذان الفجر الى خبر مفاجئ فتقول:” يومئ بالنبأ العظيم”.
والنبأ العظيم كما ورد في سورة النبأ “عما يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون” الآية (1). من معانيه حسب موقع اسلام ويب يوم القيامة بما فيه من أهوال وحساب وجزاء وعلى البعث والنشور بعد الموت.
وبالتالي :
– هل سيتحول توقع القارئ من زمن مقدس وطمأنينة نفسية الى يوم قيامة بما فيه من أهوال وحساب وجزاء؟
– هل ستصيب القارئ الدهشة فيتحول الخشوع في الزمن المقدس الى تشتت في التفكير بين رجاء واستجداء ورعب و خوف؟
تقول الكاتبة: “رؤوسهم معلقة بالرجاء , مغلفة بالهواجس, مرتجفة بالخوف”
وبالتالي هل ان هذا المشهد المستضعف من الشخصية الجماعية يقتضي التأمل العميق وتوقف التاريخ ويصف حالة من الجمود توقف الحياة او الذاكرة..؟
في هذا الاطار المخيف وباستخدام أسلوب انزياحي دلالي وتركيبي قائم على التجسيد والتشخيص وبنبرة ساخرة تجعل الزمان يلجم صوت المكان فتقول:
ضحك الدهر وهو يفتح شقوق الذاكرة. اهتزّ الطريق حافي الكلمات
والدهر له رمزيته في الأدب حيث يرمز الى القوة القاهرة (الموت) وهي رمز الفناء حيث ينسب اليه الناس إهلاك الأنفس.
ان الكاتبة تستخدم صورة أدبية حسية تجعل هذه القوة القاهرة(الدهر) تتهكم على حاضر المكان بالاستناد على الماضي الأليم الذي اتسم بالتقلب والفناء ونوائب القدر لتخمد الصوت وتخرس الزمان والمكان معا.
وكأني بالكاتبة تسعى الى إقناع القارئ بأن الزمان والمكان يقتل كلّ نفَسٍ من أنفاس هذه الشخصية الجماعية.
وهاهي الكاتبة تتحول من التلميح الى التصريح لتصرّح بان الجرح قديم (معتقا).
وصفة المعتق تنسب الى صفات الخمرة التي ينتشي بها شاربها
وكأني بالكاتبة تصف الوقت ب “السادية” لأنه يستمتع بالحاق الإساءة والفناء الى هذه الشخصية الجماعية فتقول: “الوقت تنفس جرحا معتقا”.
وما كان حاضر هذه المجموعة الا تخليدا لها فتقول:
” جلست الكلمات على كتف الحاضر، سارت ببطء. الطرقات تردّد صدى أصواتهم، والكتب تتدثّر بدفء أيديهم. الجدران تحمل صورهم، تخلّد أسماءهم في صناعة الزمن.
كأني بالكاتبة وباستخدام لغة الحواس( جلست/ سارت/ تردّد/ تتدثر/ تحمل..) تحوّل الضغوطات الى موارد لتجعل هذه الشخصية الجماعية تحوّل تضحيتها الى خلود بصناعة التاريخ.
وتختم الكاتبة بقفلة لتضع نقطة نهاية للكلام بتدوين هذه الشخصية الجماعية انتصارها على كهنة معبد آمون.
وكهنة معبد آمون يرمزون في هذا السياق الى الكافرين الذي عارضوا النبي يوسف ثم ذهبت ريحهم وأصبحوا من الماضي كما أصبح مرورهم من الماضي أمام هذه الشخصية الجماعية.
ولئن جعلت الكاتبة في العنوان الخرس يصيب الزمن فانها جعلته في القفلة يصيب الكلام ليصبح الزمن زمن هذه الشخصية الجماعية الخالدة بتضحيتها.
والكاتبة بذلك تكسر أفق انتظار المتلقي ليندهش حين ينقلب المشهد ويتحول من مشهد جماعة مستضعفة ومتضرعة وخائفة الى مشهد خلود وتحدّ لأمثال كهنة معبد آمون الكافرين انتصارا عليهم.
– ولئن كان الاستهلال يوحي بزمن مقدس وهو وقت الصلاة فان القفلة توحي باندثار الكافرين من أمثال كهنة معبد آمون.
– ولئن كان الاستهلال يوحي بالروحانيات وقداسة صلاة الفجر فان متن الققجية يكسرأفق انتظار القارئ لتجعل الكاتبة أفق النص يقلب الطاولة على أفق توقع القارئ وتتحول الشخصية الجماعية التي توقعها القارئ من المصلين الى مجموعة من المستضعفين الخائفين والضحايا ثم يتحول لتزيد في جمالية المسافة بين أفق توقع المتلقي وافق النص لتجعل هذه الشخصية الجماعية من الخالدين.
– لئن كان متن الققجية يبشر بخلود الضحايا فان القفلة تنذر باندثار الكافرين من كهنة معبد آمون.
وخلاصة القول فان الكاتبة الهام عيسى في ققجية “خرس الزمن” قد لعبت على ثنائية “أفق توقع المتلقي وأفق النص” بتوظيف إحدى أدوات نظرية التلقي الحديثة وهي المسافة الجمالية في النص شكلا ومضمونا :
– على مستوى الشكل : لقد غطت هذه المسافة الجمالية كل معمار الققجية من استهلال مرورا بالمتن ووصولا الى القفلة.
– على مستوى المضمون : ان المسافة الجمالية بين أفق توقع القارئ وأفق النص قد أتاحت للقارئ فرصة مكثفة من التأويل الماتع.
ولعل دلالة العنوان”خرس الزمن” هي لحظة تأمل عميق في كل ما طرح في الققجية.
ولعل استخدام الكاتبة أداة ” المسافة الجمالية “من نظرية التلقي الحديثة هي اتاحة الفرصة للمتلقي لإعادة النظر في أفق توقعاته لصالح أفق النص .
ان المسافة الجمالية هي المحرك التفاعلي الذي يحول القارئ من متلق سلبي الى مشارك في انتاج دلالات النص من خلال التفاعل مع ما هو غير متوقع…
سلم قلم ايقونة الققجيات هذا القلم المسكون بروح التجديد والاستثناء.
بتاريخ 10/ 03/ 2026
المراجع:
(1) المسافة الجمالية في رواية “أصابع لوليتا” لواسيني الاعرج- الكاتب بارة خولة.عزاب عبد الرحيم- مجلة علوم اللغة العربية وآدابها-15/ 03/ 2021
خرس الزمن. ق ق ج
بقلم الهام عيسى
على أكتاف الفجر نهضوا من غفوتهم. كان الضوء يرفع الأذان، يومئ بالنبأ العظيم. رؤوسهم معلّقة بالرجاء، مغلّفة بالهواجس، مرتجفة بالخوف. ضحك الدهر وهو يفتح شقوق الذاكرة. اهتزّ الطريق حافي الكلمات.
الوقت تنفّس جرحًا معتّقًا. جلست الكلمات على كتف
الحاضر، سارت ببطء. الطرقات تردّد صدى أصواتهم، والكتب تتدثّر بدفء أيديهم. الجدران تحمل صورهم، تخلّد أسماءهم في صناعة الزمن.
خرس الكلام عندما دوّنوا.
من هنا مرّ كهنة معبد آمون.
.
.


















Discussion about this post