شعر نثري
سبحانك يا مبدأ الوجود ونهايته
بقلم الباحث والكاتب والناقد: عدنان مهدي الطائي
مقدمة تمهيدية
يحمل هذا النص نفسًا صوفيًا واضحًا، إذ لا يقف عند حدود التأمل اللفظي في جلال الخالق، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة استكشاف حضوره العميق في داخل الإنسان وفي امتداد الكون من حوله. من هنا لا اخاطب الله من موقع الخوف أو الطقوس الظاهرة فحسب، بل من موقع الروح الباحثة عن المعنى، تلك الروح التي تكتشف أن النور الإلهي لا يُرى بالعين بقدر ما يُدرك بالبصيرة.
وفي هذا الأفق التأملي تتجلى فكرة إنسانية عميقة، وهي وحدة الإنسان في جوهره أينما كان. فالإنسان، في الهند أو في أوروبا أو في بلاد العرب، يظل الكائن نفسه في ضعفه وحنينه وسعيه إلى الطمأنينة. الاختلاف في الأوطان واللغات لا يلغي وحدة الأصل الذي جمعهم جميعًا تحت مظلة الخلق الإلهي الواحد.
ومن هنا يتحول النص إلى رحلة روحية، يتداخل فيها التأمل الفلسفي مع الحس الصوفي، ليؤكد أن الوجود كله ــ في داخله وخارجه ــ يحمل بصمة الخالق. وأن القلب، حين يدرك هذا المعنى، يصبح كأنه محراب صغير يتجلى فيه سرّ الوجود، وتغدو العودة إلى الله ليست نهاية الطريق، بل استعادة للأصل الأول الذي خرجت منه الروح.
القصيدة
يا ربّ…
كلما رفعتُ قلبي إليك
اكتشفتُ
أن النور ليس في السماء وحدها،
بل يسكن صدري.
أن قلبي أصغرُ من أن يحمل هذا النور،
وأكبرُ من أن يطفئه أحد.
يا ربّ…
كيف وضعتَ اليقينَ في صدري
كفجرٍ خفيٍّ
ينامُ في قلبِ الليل،
حتى إذا تنفَّس النور
اكتشفتُ
أن الطريق إليك
كان يسكنني.
أدركتُ
أن الطريق إليك
لا يُرى بالعين
بل يُعرف
بنبض الروح.
أدركتُ
أن النور لم يُخلق ليُرى،
بل ليُسكن
في جوف القلب العطشان.
يا سيدي…
كل ما ظننته قوةً
كان خرابًا،
وكل ما ظننته سترًا
كان عتمة.
فكم من ضياع
قادني إلى عناق نورك،
وكم من سقوط
رفعني إلى جبر قلبك.
ليس اليقين فوقي في السماء،
بل يتمدد في داخلي
كسماءٍ أخرى
لا حدود لها.
سبحانك…
جعلت القلب محرابًا
والروح قبلةً
والإنسان مرآةً
تعكس سرَّك في الوجود.
فالإنسان يا ربّ
هو ذاته
حين يولد في الهند
أو يمشي في أوروبا
أو يصلّي في بلاد العرب.
وجهٌ واحد
وقلبٌ واحد
وحنينٌ واحد
يناديك بلغاتٍ شتّى
وأنت تسمعه
باسمٍ واحد.
يا ربّ…
ما اختلاف الأرض
إلا اختلافُ طرقٍ…
تمضي جميعها
نحو بابك.
فأنت الخالق
في داخل الأشياء
وفي خارجها،
وأنت السرّ
في نبض الإنسان
حيثما كان.
أنا الفقير
الذي يناديك بصمته،
وأنت الغني
الذي يجيب باللطفِ.
لا شيء يزاحم هذا النور في صدري،
لا خوف يسكن،
ولا يأس يليق بالمحب..
ان يركن
كل ما ضاع مني
كان حكمة
كي أكتشف
أن الوجود مرتب باسمك.
وأن الطمأنينة
ليست منزلاً نصل إليه،
بل روحٌ
لا تفقد وصلك.
يا من سترت عيوب السير والعثرات،
وجعلت من كل ضعفٍ
إشراقًا.
إذا أدرك القلب المعنى
صار ككونٍ صغير
تتجلى فيه عظمتك.
ولا يحتاج بعد لطفك كلامًا…
يكفيه أن يعرف
أن الرجوع إليك
ليس نهاية الطريق،
بل
بداية الأزل.
تحرير/ دعاء محمود














Discussion about this post