بقلم: سعيد فارس السعيد:
لقد كنتُ من الذين حذّروا مبكرًا، وبوضوح، من الانزلاق نحو هذه الحرب،
وحذّرتُ جميع الأطراف من أن الحشود العسكرية المتزايدة،
والتصعيد المتبادل،
لا يمكن أن يقود إلا إلى انفجار كبير.
وقد بدأ ما حذّرنا منه بالفعل…
لكن الحقيقة الأكثر خطورة اليوم،
ليست كيف بدأت هذه الحرب،
بل أن أحدًا لا يعرف كيف ومتى ستنتهي.
نحن أمام حربٍ مفتوحة على كل الاحتمالات،
حربٍ إن استمرّت، فلن يكون فيها منتصر حقيقي،
بل خاسرون كُثُر…
وفي مقدمتهم شعوب المنطقة،
وحتى إسرائيل نفسها،
التي قد تكتشف أن منطق القوة لا يصنع أمنًا دائمًا،
بل يفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها بسهولة.
إنها حرب كارثية بكل المقاييس،
حربٌ لا تعيد رسم الخرائط فقط،
بل تعيد تشكيل الوعي،
وتضع الجميع أمام حقيقة واحدة:
أن النار، حين تشتعل بهذا الشكل،
لا تختار ضحاياها.
في كل بيانٍ يُعلن،
وفي كل خطابٍ يُرفع سقفه حتى السماء،
نسمع الكثير عن “الرد”، و”التدمير”، و”المصالح”، و”المضائق”،
لكننا لا نكاد نسمع شيئًا عن الإنسان.
هذه هي الحقيقة القاسية التي تكشفها لغة هذه المرحلة:
الحروب تُدار اليوم بعقل بارد،
وتُسوَّق بلغة نارية،
لكنها تُنفَّذ فوق أجساد البشر.
حين يتحدث طرفٌ عن السيطرة على الممرات،
ويردّ آخر بالتهديد بإغلاقها،
وحين تتحول الطاقة والتكنولوجيا إلى أهداف عسكرية،
فإننا لا نكون أمام “نصر قادم”،
بل أمام كارثة مؤجلة.
كل طرف يرفع صوته معلنًا القوة،
وكل بيان يُكتب وكأن الحسم بات قريبًا،
لكن الواقع يقول عكس ذلك تمامًا:
لا أحد ينتصر…
بل الجميع يدخل أكثر فأكثر في دائرة الاستنزاف.
إن أخطر ما في هذه المرحلة
ليس حجم السلاح،
بل حجم الوهم.
وهم الانتصارات الإعلامية،
الذي يُقنع الشعوب بأن هناك من يحقق إنجازات كبرى،
بينما الحقيقة أن الخراب يتوسع،
والخوف يتجذر،
والمستقبل يُستهلك.
لقد تحوّل الخطاب السياسي والعسكري
إلى سباق في رفع سقف التهديد،
لا لبدء الحرب،
بل لمنعها عبر التخويف.
لكن هذه اللعبة خطيرة،
لأنها قد تنفلت في أي لحظة،
وتتحول من كلمات إلى وقائع.
في هذا المشهد،
تغيب الحقيقة الأهم:
أن الصراع الدائر ليس صراع كرامة شعوب،
بل صراع مصالح دول،
تُدار فيه الحسابات بدقة،
وتُترك فيه المجتمعات لتدفع الثمن.
وهنا، يجب أن نطرح السؤال الجوهري:
أين الإنسان في كل هذا؟
أين حقه في الأمان؟
في الاستقرار؟
في الحياة الطبيعية بعيدًا عن التهديد الدائم؟
إن شعوب هذه المنطقة لم تُخلق لتكون وقودًا لحروب الآخرين،
ولا لتُستخدم كأدوات في صراعات النفوذ،
ولا لتُدفع نحو الاصطفافات الطائفية التي تمزقها من الداخل.
لقد أثبتت التجربة، مرة بعد مرة،
أن الطائفية لا تحمي أحدًا،
وأن الارتهان للخارج لا يصنع قوة،
بل يضاعف الضعف.
وأن الدولة وحدها،
القائمة على القانون والمواطنة،
هي الإطار الوحيد الذي يحمي الجميع.
إن الشرق الذي نعرفه،
لم يكن يومًا ساحة تهديد دائم،
بل كان مساحة تلاقٍ،
وجسرًا بين الحضارات،
ومركزًا للمصالح المشتركة بين الشرق والغرب.
لكن ما نشهده اليوم،
هو محاولة لإعادة تشكيل المنطقة
وفق منطق القوة المجردة،
والهيمنة،
والخوف.
وهنا، لا بد من قول الحقيقة بوضوح:
إن كل خطاب يتحدث عن التدمير الشامل،
أو السيطرة المطلقة،
أو كسر الآخرين بالكامل،
هو خطاب لا يبني مستقبلًا،
بل يمهّد لمزيد من الخراب.
خاتمة القول:
أين هو الشرق الجديد الذي نطمح إليه؟
أين هو الشرق الذي يعيش فيه الإنسان بكرامة،
وتُحترم فيه الدول،
وتتوازن فيه المصالح،
بعيدًا عن الحروب والهيمنة؟
وأين هو ذلك الشرق الذي يريد بعض المتشددين في إسرائيل وفي العالم فرضه بالقوة،
هل يريدون شرقٌا يقوم على الخوف لا على التفاهم،
وعلى الإخضاع لا على الشراكة؟
_إن الشرق الذي يستحق أن يولد،
ليس شرق التهديد،
ولا شرق الاصطفافات،
ولا شرق الحروب التي لا تنتهي.
بل شرقٌ يقوم على:
الدولة…
لا الطائفة،
القانون…
لا القوة،
والإنسان…
قبل كل شيء.
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”









Discussion about this post