قراءة نقدية:” تجربة الققجية مع البوليفونية”
( الققجية بين متعة الشكل وواقعية المضمون)
التفريغ النصي:” الحق يُفتكّ افتكاكا”
الققجية: “سيناريو محدث”
الكاتبة السورية : الهام عيسى
الناقدة التونسية : جليلة المازني
أ – المقدمة:
القصة القصيرة جدا(ق. ق . ج) حسب ما ورد في الموسوعة ويكيبيديا هي “جنس أدبي نثري حديث يتميز بالتكثيف الشديد والايجاز والمفارقة لا تتجاوز غالبا بضعة أسطر وتركز على مشهد واحد او لقطة خاطفة معتمدة على الرمز والايحاء بدلا من الوصف والتفصيل وتنتهي بنهاية غير متوقعة تصدم القارئ وتثير تفكيره”
بيد أن الكاتبة الهام عيسى تطالعنا في ققجيتها ” سيناريو محدث” بشكل جديد للققجية يعيد النظر في شكلها ويسلط الضوء على واقعية مضمونها باستخدام اداة المسافة الجمالية بين أفق توقع القارئ وأفق النص وفق نظرية التلقي الحديثة للمدرسة الالمانية وعلى رأسها ” ياوس و آيزر”.
ب- التحليل: :” الققجية بين متعة الشكل وواقعية المضمون”
1- في قراءة العنوان: “سيناريو محدث”:
لقد ورد عنوان الققجية مركبا نعتيا .
والسيناريو المحدث كما تعرّفه موسوعة ويكيبيديا ” هو نص أو مخطط لأحداث, قصة, أو خطة عمل تمّ تعديلها, تطويرها أو مراجعتها لتشمل معلومات جديدة, تغييرات في الحبكة او تحسينات نهائية..”
وفي هذا الاطار أي تعديل او أي تغييرات في الحبكة او أيّ جديد طرأ على ققجية “سيناريو محدث”؟
ان هذه الققجية قد اتسمت بالمتعة شكلا وبالواقعية مضمونا :
2- الققجية بين متعة الشكل وواقعية المضمون:
أ- الققجية ومتعة الشكل:
لقد استخدمت الكاتبة الهام عيسى راويا عليما يتحدث من وجهات نظر متعددة أو ما يسميه الناقد الروسي ميخائيل باختين بتعدد الأصوات من خلال تحليل رواية “الجريمة والعقاب ” للأديب الروسي فيودور دوستويفسكي او ما يسميه الباحث هنري جيمس “زوايا نظر”(1).
لقد اهتمّ ميخائيل باختين بتحليل الرواية تحليلا يعتمد على المستوى التركيبي للنص ليكشف من خلاله عن العلاقات الاجتماعية بين الواقع المعيش وعالم الرواية.
وفي هذا الاطار فان الكاتبة الهام عيسى تضع بصمتها لتطبيق تعدد الاصوات على الققجية.
وهنا قد يتدخل القارئ متسائلا:
-هل يمكن ان نعتبر الكاتبة الهام عيسى هي من مُبتكري الققجية المتعددة الأصوات كما اعتبر ميخائيل باختين ان” دوستويفسكي هو مبتكر الرواية المتعددة الاصوات”؟
وتعدد الاصوات (البوليفونية)في الققجية رغم ضيق المساحة عبر تداخل منظورات الشخصيات.
ويمثل هذا التعدد في الاصوات هروبا من أحادية السرد الى نسبية الحقيقة مانحا النص عمقا دلاليا.
ومن مميزات تعدد الأصوات (البوليفونية) في القصة القصيرة جدا:
– منظورات متعددة : تصوير الحدث الواحد من زوايا نظر مختلفة او متعارضة مما يرسخ نسبية الرؤية(2) :
والكاتبة طرحت على المتلقي في ققجيتها تسعة أصوات او وجهات نظر مختلفة لتصوير حدث واحد لشعب مضطهد فنجد:
– صوت العدو
– صوت عين الراصد
– صوت المصور
– صوت الحكومة
– صوت التاجر
– صوت القانون
– صوت حملة الفكر والكتاب
– صوت ضمير العالم
– صوت المواطن
ولعل الكاتبة الهام عيسى تتخفى وراء العنوان الذي اختارته ” سيناريو محدث” لتمرير رسائل ناقدة للمجتمع المحلي او المجتمع العالمي فنجدها تستند الى عدة أصوات من تركيبة المجتمع لمعارضتها او
للتخفي وراءها وهي حيلة من حيل المبدع لتقديم أفكاره وطرحها على المتلقي.
وفي هذا الاطار فان الكاتبة قد جمعت في هذا السيناريو المحدث تسعة مكونات لمجتمع مضطهد للكشف عن وجهات نظرهم ولفضحها من وجهة نظرها كراوية عليمة بمواقف هذه المكونات للمجتمع.
وبذلك فانها حولت الققجية من مجرد حدث مباشر الى لوحة درامية:
نجد هذا الشعب المضطهد وجميع مكونات المجتمع تنهشه اعلاميا وسياسيا واخلاقيا واقتصاديا وابداعيا وانسانيا..
وكأني بالكاتبة وهي تفضح وجهات نظرهم تخفي حوارا ضمنيا بينهم ولا تتسع مساحة الققجية لعرضه
وبالتالي لعل الراوية تمثل الصوت العاشر الذي يفضح بقية الأصوات.
لعل هذا السيناريو المحدث قد طوّر الققجية شكلا باستخدام تقنية تعدد الاصوات والحوار الضمني
وفي هذا الاطار هل ان هذا السيناريو المحدث سيغير الققجية على مستوى المضمون ؟:
2- الققجية وواقعية المضمون:
ان الكاتبة قد جعلت هذه الاصوات التسعة تتحدث عن نفس الحدث وهو” اضطهاد الشعوب”.
لقد استهلت الكاتبة ققجيتها بصوت العدو باعتباره الفاعل في اضطهاد أي مواطن و اي شعب . وقد جعلته يتصف بالارهابي الذي يبث الرعب(وارتجفت البناية رقم واحد) ويرتب ضحاياه ( نفخ في الصفارة الاولى/ كانت التهم تنتظر على الطاولة)
ان هذا العدو يستعين بعين الراصد التي ترصد الضحية لتجعل التهم على مقاس كل ضحية(تخيط الحكاية على مقاس الرواية التي تشتهيها).
وبالتالي تكون الحكاية محبكة وفق مصالحها التي لا تدعو الى الشك.
ويأتي دور المصور كإعلام من مهامه التوثيق والتاريخ يكتبه المنتصرون فيشيد بالقادة ويلمّع صورهم (يعلق وجوه القادة على الجدران كشموس ورقية)
والكاتبة لا تخفي عن القارئ تهكّمها بتشبيه القادة بالشموس الورقية بما فيها من هشاشة وكذب ووهْم.
اما الحكومة فهي متواطئة مع هذا العدو وكأنها على علم بما سيحدثه العدو( مدت خيامها على عجل كمن يفرش ظله قبل العاصفة)
وأكثر من ذلك فالحكومة متواطئة مع المنظمات التي تزعم الدفاع عن حقوق الانسان (وأسماء الضحايا مكتوبة بحبر المنظمات).
والتاجر في اطار هذا التواطؤ الاعلامي والحكومي لايشذ عنهم في خدمة مصالحه والاصطياد في الماء العكر بممارسة الاحتكار في الغذاء وممارسة السوق السوداء لبيعه بأسعار خيالية لا تقدر عليها كل شرائح المجتمع.
والقانون الذي هو من المفروض فوق الجميع و سيف على رقبة كل متواطئ ومحتكر ومتلاعب بحياة الشعب هو بدوره يخاف على مصالحه ويعجز عن قول الحقيقة.
اما حملة الفكر والكتاب فهم منقسمون بين متواطئ مع العدو خوفا على معيشته ولعل قلة منهم من الاحرار لا ترى كتاباتهم النور.
وفي صلب هذا الظلم المستشري فان ضمير العالم شبه ميت (أصيب بنكسة حضارية وأخذ يراقب دون حراك).ان ضمير العالم هو بين يقظة عاجزة وتماوت مستمر.
وتختم الكاتبة بصوت المواطن الذي جعلته آخر الأصوات وهذا ليس اعتباطا من الكاتبة بل لأنها تدرك ان صوت المواطن في أي مجتمع هو صوت مهمش وغير مسموع..
لقد جعلت الكاتبة المواطن مشردا بلا مأوى (يفترش الأرض والارصفة )وهو بين ذكريات الواقع المرّ وأفق يحرره.
ومن خلال تعدد اصوات الشخصيات في الققجية فان الكاتبة تضمر تعدد الايديوليجيات ومختلف الرؤى والوقوف على الموجود والتوق الى المنشود…
ان الكاتبة قد استخدمت ما يُصطلح عليه في نظرية التلقي الحديثة بجمالية المسافة بين أفق توقعات القارئ وافق النص.
ان ما انتظره القارئ وهو يلامس العنوان من تجديد وتطور في السيناريو قد وقف على عكسه بمتن الققجية التي ارادتها الكاتبة حمالة لرسائل متعددة:
3- الميتاقص (الميتاسرد) في الققجية:
أ- مفهوم المتاقص في الققجية (3):
“لقد اهتمت القصة القصيرة جدا في وقت مبكر بتوظيف الميتاسرد بمختلف أشكاله الفنية والجمالية والاسلوبية باستعمال التكثيف تارة والميل نحو الحذف والاضمار تارة اخرى..”
.ويقصد بالميتاقص ذلك الخطاب المتعالي الذي يهتم بالعملية الابداعية نظرية وابداعا ونقدا وتوصيفا برصد عوالم الكتابة الحقيقية “.
وفي هذا الاطار فإن الكاتبة من خلال ققجيتها قد وصفت للقارئ مشهدا واقعيا وهي تضمر مشهدا آخر.
ان استخدام الكاتبة لتقنية تعدد الأصوات تُوهِم القارئ بديمقراطية المشهد لكن سرعان ما يُكسِر أفق الققجية أفق توقعات القارئ.
وفي هذا الاطار فان الكاتبة من خلال ققجيتها تبث رسائل للقارئ فهي
تهدم لتبني وتقوض لتؤسس:
+ هدم مشهد مجتمع قائم على:
*ىسيادة اللامعنى:
و سيادة اللامعنى كما ورد بموقع الجزية نت هو مصطلح يشخص حالة من الهشاشة الثقافية والفكرية التي تعمّ الحياة العامة ومن مظاهرها:
– سيادة اللافعل: والقارئ يلامس في كل ارجاء الققجية تفشي السلبية والمفعولية بدل الفاعلية فلا عين الراصد كانت فاعلة بالموضوعية المطلوبة ولا المصور يلتقط صوره بنزاهة واقعية ولا الحكومة تحمي شعبها ولا القانون عادل ولا المبدع حرّ في كتاباته.
– سيادة التفاهة والابتذال: ان التواطؤ الذي اتسمت به كل مكونات هذا المجتمع جعل منه مجتمعا تافها لا يُطمَأن له حاضرا ولا يبني مستقبلا. وهذه التفاهة تكون سببا لانتشار اليأس لدى الافراد فالمجموعات فالمجتمع الذي ينتهي بانهياره .
+بناء مشهد مجتمع قائم على:
– الحب: ان الكاتبة ترفض تصدّر صوت العدو الذي يفرض هيمنته على كل مكونات المجتمع (الوطني او العالمي) ولذلك فهي تتوق الى مجتمع يسوده الحب بعيدا عن وجع الأحقاد والاطماع والمصالح الضيقة
– استقلالية الاعلام : ان الاعلام باعتباره السلطة الرابعة قادر على الوقوف ومواجهة العدو لاسقاطه
– سلطة مستقلة وشعبية للحكومة: ان الحكومة لن تكون قادرة على النهوض بالمجتمع ما لم تكن مستقلة لترفض كل تعليمات العدو.
– سيادة الأخلاق الحميدة :ان الكاتبة ترفض كل انواع الاحتكار خاصة في الغذاء باعتباره حياتيّا.
– استقلالية القضاء :ان الكاتبة تدعم استقلالية القضاء حتى يسود العدل.
– حرية التعبير: ان الكاتبة تدعم حرية التعبير حتى يستطيع المبدعون الارتقاء بالابداع نحو العالمية والانسانية.
– يقظة ضمير العالم: ان الضمير العالمي اليقظ يساهم في انتشال المظلومين من جور العدو.
– منح الاعتبار للمواطن باستعادته لإنسانيته وآدميته : ان الكاتبة تدعم استعادة المواطن لإنسانيته وأفضليته على بقية الكائنات (ولقد كرّمنا بني آدم..).
والكاتبة ختمت بصوت المواطن كقفلة مدهشة للقارئ لم يكن ليتوقعها وهي تحمّل المواطنَ رفض واقع مُزرٍ له شبيه بالحيوان (يفترش الارض والارصفة) لتكون على يديه ولادة جديدة للمجتمع.
والكاتبة باستخدام تقنية تعدد الاصوات (البوليفونية) في الققجية تجسد مناخا فنّيا تمنح فيها استقلالية الشخصيات دون هيمنة الصوت الواحد مما يجعل النص يعكس حيوية الواقع .
ويرتبط تعدد الاصوات ديمقراطيا بكسر المركزية السردية محولا النص الى فسيفساء من وجهات النظر المتساوية في الحق بالتعبير.
ولئن كانت الكاتبة هي الصوت العاشر باعتبارها الساردة العليمة فهي قد بلّغت عن صوت كل شريحة في المجتمع ايمانا منها بديمقراطية الخطاب المسرود.
ان علاقة تعدد الاصوات بالديمقراطية:
– يماثل تعدد الاصوات التعددية السياسية والاجتماعية في المجتمع
– يمنح صوت الاخر من ابلاغ صوته المهمش.
– تحرير المتلقي: تعدد وجهات النظر يجبر القارئ على المشاركة في انتاج المعنى مما يعزز حرية التفكير والتحليل.
والكاتبة باعتبارها ترسي ممارسة فنية جديدة قائمة على البوليفونية (تعدد الاصوات) بالققجية لم تتح لها مساحة الققجية القائمة على الايجاز ان تجعل الشخصيات تتحاور مع بعضها البعض في جوّ من المساواة الفكرية. فعمدت الى تحمل المسؤولية لتبليغ أصوات كل الشخصيات.
وفي هذا الاطار فان الكاتبة الهام عيسى قد جعلت الققجية تتحدث عن هاجسها من أجل ارساء “سيناريو محدث “آ خر متطور ومتجدد يتوق الى جعل السيناريو بين كل مكونات المجتمع فاعلا يُحرّر كل مكون في تركيبة المجتمع اعلاميا ( الراصد والمصور)وسياسيا (الحكومة)وأخلاقيا واقتصاديا (التاجر) وقانونيا (القانون) وابداعيا ( حملة الفكر والكتاب) وانسانيا (ضمير العالم) ووطنيا (المواطن).
وبذلك يتحرر كامل المجتمع الوطني او العالمي من سياسة القطيع والتبعية والولاء للعدو الذي يفتك بالشعوب ويجعلهم ضحايا الواحد تلو الآخر.
والكاتبة هنا تطرح ثنائية القوة والضعف : قوّة العدو وضعف بقية الاطراف التي تتلقى التعليمات وتطبقها خوفا على مصالحها الضيقة.
ولعل الكاتبة الهام عيسى تتقاطع مع قول ارنستو شي جيفارا:” الحياة لا يحكمها مفهوم الحق والباطل ولا مفهوم الأخلاق والمبادئ والمثل العليا ..الحياة يحكمها مفهوم القوة والضعف.. الذكاء والغباء.. التكيف او الاندثار ..فحقك لا بد ان تأخذه بالقوة والذكاء والتكيف مع الواقع.. فقد تطورنا عبر ملايين السنين من كائنات تفترس بعضها البعض ماديا الى كائنات تفترس بعضها ماديا ونفسيا وحقوقيا أيضا…”
سلم قلم الكاتبة الهام عيسى هذا القلم المتمرد ايمانا منها بالتجديد شكلا ومضمونا بالققجية.
لقد انهيت قراءتي النقدية للققجية ونبْع الامتاع والمؤانسة لم ينْضب بعْدُ…
بتاريخ 18/ 03/ 2026
المراجع:
(1) مميزات وآليات تعدد الاصوات في القصة القصيرة جدا: منظورات متعددة – “صحيفة العرب”
(2) الحوارية وتعدد الاصوات…ثورة ميخايل باختين في عالم الرواية-الجزيرة نت -27/ اكتوبر 2024
(3) جميل حمداوي – اسئلة اليتاسرد في القصة القصيرة جدا(شفير النوايا الحسنة) للبنى اليزيدي نوذجا
سيناريو محدث. ق ق ج
==========
بقلم الهام عيسى
======
العدو:
نفخ في الصفارة الأولى، فارتجفت البناية رقم واحد كعصفورٍ تحت المطر، وكانت التهم تنتظر على الطاولة مثل مفاتيح صدئة تعرف الأقفال مسبقًا ..!
عين الراصد:
زرعت عيونًا زجاجية في الزوايا، عيونًا تعرف كيف تخيط الحكاية على مقاس الرواية التي تشتهيها ..!
المصور:
يعلّق وجوه القادة على الجدران كشموسٍ ورقية، قبل أن يهبط المساء عن عروش الكراسي ..!
الحكومة:
مدّت خيامها على عجل كمن يفرش ظلّه قبل العاصفة، وهي تعرف أن الريح تحمل معها أكياس المعونات وأسماء الضحايا مكتوبة بحبر المنظمات ..!
التاجر:
احتكر الغذاء وفقًا لرؤية وصلات سياسية متسقة، إذ إنها فرصة لتطوير تجارته وتوثيق علاقاته!
القانون: عاجز عن قول الحقيقة، مهدد بفقدان الحصانة ..!
حملة الفكر والكتاب منقسمون:
يدون بعضهم مكرهين لأغراض المعيشة والسلامة ما يخدم الساسة ومحتكري سبل الحياة!
ضمير العالم:
أُصيب بنكسة حضارية وأخذ يراقب دون حراك!
المواطن:
يفترش الأرض والأرصفة، يحتفظ بذاكرة حية بعيون تتطلع لاعتناق ثرى الولادة وبقايا حطام الذكريات!


















Discussion about this post