هل نحن أسرى العادات؟
د. محمد عبد العزيز
السودان
ما أكثر ما يُحدّث الإنسانُ نفسه بأنه سيّدُ أفعاله، مالكُ قراره، يصدر في شأنه عن إرادةٍ حرّةٍ لا يقيّدها قيد، ولا يُملي عليها مُملٍ؛ فإذا هو عند محكّ التجربة يُفاجأ بأن في نفسه سلطانًا خفيًّا، لا يُرى ولا يُسمع، ولكنه يُطاع أكثر مما تُطاع العقول الصريحة، وتُتّبع إشاراته دون مناقشةٍ أو ترديد. ذلك السلطان هو العادة؛ تلك القوّة الهادئة التي تتسلّل إلى النفس في ثوب الأُلفة، ثم تستحكم فيها حتى تصير طبيعةً ثانية، بل لعلّها في بعض الأحوال أقوى من الطبيعة الأولى.
إن العادة لا تُولد فينا دفعةً واحدة، ولا تفرض سلطانها علينا قسرًا منذ البدء، بل تدخل إلينا دخول الضيف الخفيف؛ نقبلها لأنها يسيرة، ونُكرّرها لأنها مألوفة، ثم نألفها حتى إذا استقرت، صارت هي التي تقودنا ونحسب أننا نقودها. فكم من فعلٍ بدأ اختيارًا، ثم انتهى اضطرارًا! وكم من عادةٍ ظنّ صاحبها أنه يملك تركها متى شاء، فلما شاء وجدها قد ملكته، واستعصت عليه كأنها جزءٌ من كيانه لا ينفصل عنه.
وليس العجب في أن تتكوّن العادة، فذلك من طبيعة النفس التي تميل إلى التكرار طلبًا للراحة، وإنما العجب أن يجهل الإنسان أثرها، وهو يراها في كل شأنٍ من شؤون حياته. فهو في مأكله ومشربه، وفي حديثه وصمته، وفي عمله وراحته، يسير على نهجٍ إعتاده، حتى إذا طُلب منه أن يُغيّر، وجد في ذلك عنتًا لا يُطاق، مع أن التغيير في جوهره ليس أعسر من التكرار الأول لو أنه بدأ به.
وهنا يظهر وجهٌ من وجوه الوهم الإنساني؛ إذ يخلط المرء بين الإرادة والاعتياد، فيحسب ما يفعله دائمًا هو ما يريده دائمًا. والحقيقة أن كثيرًا مما نفعله لا نُريده على التحقيق، وإنما نُسايره لأننا اعتدناه، فنحن لا نختار الفعل بقدر ما نستجيب لدعوته الكامنة فينا. ومن ثمّ، فإن الحرية التي نُفاخر بها، ليست مطلقة كما نتصوّر، بل هي محدودةٌ بما رسخ فينا من عاداتٍ تُوجّهنا في صمت.
على أن العادات على هذا الوصف ليست شرًّا كلّه، ولا خيرًا كلّه؛ فهي إن صلحت، كانت عونًا لا يُقدّر، وإن فسدت، كانت قيدًا لا يُحتمل. فالعادة الحسنة تُغني عن عناء التفكير في كل مرة، وتجعل الخير يسيرًا، كأنه طبعٌ لا تكلّف فيه. أما العادة السيئة، فإنها تُثقل النفس، وتُورثها تكرار الخطأ، حتى يصبح الخطأ مألوفًا لا يُستنكر.
غير أن أخطر ما في أمر العادات، أنها تُخدّر الشعور بالمسؤولية. فصاحبها قد يُبرّر لنفسه فعلَه بأنه “اعتاد عليه”، وكأن الاعتياد عذرٌ يُسقط المحاسبة. وهو في الحقيقة يزيدها، لأن من علم أثر عادته ثم لم يسعَ إلى تغييرها، كان شريكًا في دوامها، مسؤولًا عن نتائجها.
فهل نحن إذن أسرى العادات؟ نعم، إن تركنا لها الحبل على الغارب، ولم نُراجع أنفسنا، ولم نُحاسب أفعالنا. ولسنا كذلك إن وعيناها، وأحسنّا توجيهها، وجعلناها في موضع الخادم لا السيد. فالعادة في أصلها أداة، ونحن الذين نمنحها السلطة أو نسلبها إياها.
والتحرّر من سلطان العادة لا يكون بإنكارها، ولا بمقاومتها مقاومةً عمياء، بل بفهمها أولًا، ثم بإحلال غيرها محلها. فإن النفس لا تحتمل الفراغ، ولا تترك مألوفًا إلا لتألف غيره. فمن أراد أن يترك عادةً فاسدة، فليغرس مكانها عادةً صالحة، وليُكرّرها حتى ترسخ، كما رسخت الأولى. وحينئذٍ، يتحوّل الصراع إلى سكون، ويصير الخير يسيرًا بعد أن كان عسيرًا.
وليس في هذا الطريق ما يُنال دفعةً واحدة، بل هو جهادٌ طويل، يحتاج إلى صبرٍ على التكرار، وثباتٍ على المقصد. وقد يظنّ المرء في بدايته أنه لا يتقدّم، لأنه لا يرى أثرًا عاجلًا، ولكنه في الحقيقة يُغيّر مسار حياته تغييرًا خفيًّا، يظهر أثره مع الأيام.
وخلاصة القول، أن الإنسان لا يكون حرًّا حقًّا إلا إذا وعى ما اعتاده، واختار ما يُريد أن يعتاده. فليست الحرية أن تفعل ما تشاء، بل أن تشاء ما ينبغي، ثم تُداوم عليه حتى يصير من طبيعتك. فإذا بلغتَ هذه المرتبة، لم تعد أسير عادة، بل صرت سيّدها، تُوجّهها حيث تشاء، وتنتفع بها كما ينبغي.
وهكذا، يتبيّن أن المعركة ليست بين الإنسان والعادة، بل بين الإنسان ونفسه؛ فإن غلبها بالوعي والصبر، كانت عاداته عونًا له، وإن استسلم لها، كانت قيدًا عليه. وفي هذا الميدان، تتفاوت مقادير الناس، لا بذكائهم وحده، بل بقدرتهم على أن يجعلوا من التكرار سلّمًا للارتقاء، لا سلسلةً للتقييد.

















Discussion about this post