عدنان الروسان
تتسارعُ طبولُ الحربِ في المنطقةِ لتعزفَ لَحناً دموياً لا يبدو أنَّ لهُ نهايةً قريبةً. وفي قلبِ هذا المشهدِ، يبرزُ الرئيسُ الأمريكيُّ ترامب كلاعبٍ يرفضُ الاعترافَ بقواعدِ الميدانِ الجديدةِ، متبنياً سياسةَ “الهروبِ إلى الأمامِ” في صراعٍ أثبتَ شهرُهُ الأولُ أنَّ موازينَ القوى فيهِ لا تخضعُ للحساباتِ التقليديةِ، وأنَّ طهرانَ ليستْ كراكاس، بل هي عقدةٌ جيو-سياسيةٌ عصيّةٌ على الانكسارِ.
يبدو ترامب اليوم كالمقامرِ الذي يقفُ حولَ طاولةِ “الروليت”؛ كلما خسرَ رهانًا، ازدادَ رغبةً في التمادي باللعبِ، عاجزاً عن استيعابِ حقيقةِ أنَّ هناك مَنْ يمتلكُ الجرأةَ لقولِ “لا” في وجهِ الإمبراطوريةِ. يدركُ ترامب تماماً أنَّ الخروجَ من هذهِ المواجهةِ دونَ “نصرٍ حاسمٍ” سيعصفُ بمستقبلهِ السياسيِّ، وقد يجرُّ الحزبَ الجمهوريَّ خلفَهُ إلى هاويةِ النسيانِ لعقودٍ.
التحرّكاتُ العسكريةُ الأخيرةُ وحشودُ “المارينز” المتجهةِ صوبَ المنطقةِ ليستْ “نزهةً سياحيةً”، بل هي القوةُ التي يحاولُ ترامب كسبَ الوقتِ لتجهيزِها لضربةٍ كبرى يأملُ أنْ تجبرَ إيرانَ على الجلوسِ صاغرةً إلى مائدةِ التفاوضِ. لكنَّ الذاكرةَ التاريخيةَ تطلُّ برأسِها هنا؛ فمن ينسى مشهدَ الهروبِ المذلِّ من كابول، أو صورَ المروحياتِ وهي تُجلي الأمريكيينَ من فوقِ أسطحِ سايغون في فيتنام بعد مقتلِ 58 ألفَ جنديٍّ؟ إنَّ إيرانَ اليومَ مستعدةٌ تماماً لـ “الخيارِ الأفغانيِّ” أو “النموذجِ الفيتناميِّ”، فهي تحاربُ فوقَ أرضِها، وهي حربٌ تأكلُ الأخضرَ واليابسَ، وليستْ كازينو للمراهناتِ.
من ناحية اخرى، يبدو أنَّ حساباتِ البيتِ الأبيضِ تصطدمُ بجدارٍ دوليٍّ صلبٍ. باتَ من المؤكدِ أنَّ روسيا تمدُّ طهرانَ بمظلةٍ لوجستيةٍ وفنيةٍ واستخباريةٍ، بينما تلعبُ الصينُ دوراً صامتاً ولكنهُ في غايةِ الخطورةِ لمنعِ انكسارِ إيرانَ. ترامب يخشى “كسرَ العظمِ” مع بوتين، خوفاً من أنْ تتحولَ أوكرانيا إلى “عودِ ثقابٍ” يُحرقُ القارةَ الأوروبيةَ برمتِها.
أما إسرائيلُ، فقد أثبتتِ الوقائعُ أنها بدونِ الدعمِ الأمريكيِّ المطلقِ تظلُّ عاجزةً عن حسمِ معاركِها، وما جرى في لبنانَ منذ عامِ 2000 وحتى اليومِ خيرُ دليلٍ. ورغمَ الضجيجِ حولَ “نهايةِ حزبِ الله” أو “شلّ حركةِ الحوثيينَ”، أثبتَ الميدانُ أنَّ تلكَ لم تكنْ سوى أمانٍ ورغباتٍ، فإيرانُ وحلفاؤُها لا يزالونَ يمتلكونَ زمامَ المبادرةِ ويضعونَ الشروطَ رغمَ الدمارِ.
الأيامُ القادمةُ حُبلى بالمتغيراتِ؛ إذ يُتوقعُ انطلاقُ مظاهراتٍ حاشدةٍ داخلَ إسرائيلَ وأمريكا ضدَّ هذهِ الحربِ، تماماً كما حدثَ في حربِ “طوفان الأقصى”. والسؤالُ الذي يطاردُ ترامب الآن: ماذا لو تحولَ الإنزالُ البريُّ إلى فخٍّ، ووُجدَ الجنودُ الأمريكيونَ أسرى في قبضةِ طهران؟
إنَّ تبعاتِ هذهِ الحربِ ستكونُ وخيمةً، وستغيرُ وجهَ المنطقةِ سياسياً واجتماعياً، وستتركُ ندوباً لا تُمحى على جسدِ النظامِ العالميِّ بأسرهِ.
#ترامب#الخليج#ايران#باب_المندب#هرمز


















Discussion about this post