بقلم: سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل.
من خلال المتابعة الدقيقة لمجريات الأحداث والوقائع في هذه الحرب، وانطلاقًا من التزامنا بالمبادئ الثابتة في الموضوعية والبحث عن الحقيقة، يمكن القول إن العقيدة السياسية–القتالية لدى إيران تميل إلى ما يمكن وصفه بـ”منطق الرد بالمثل”، أي محاولة تحقيق نوع من التوازن في طبيعة الأهداف المُستهدفة.
ففي هذا الإطار، يُلاحظ—بحسب ما يظهر في بعض أنماط السلوك العسكري—أن استهداف مواقع عسكرية يقابله رد على مواقع عسكرية، واستهداف بنى تحتية يقابله استهداف مماثل في البنية التحتية، وكذلك الحال في بعض المرافق الخدمية. غير أن هذا النمط، حتى لو بدا منضبطًا في ظاهره، لا يمكن فصله عن تعقيدات الواقع الميداني، حيث تختلط الأهداف، وتتداخل الحسابات السياسية والعسكرية، ما يجعل أي قراءة نهائية عرضة للنقاش والمراجعة.
وأخطر ما يطفو على سطح هذا المشهد المعقّد، ليس فقط تطور العمليات العسكرية بحد ذاتها، بل تصاعد لغة التهديد والوعيد باستهداف مواقع قد تعرّض المدنيين لمخاطر جسيمة.
فحين تصدر مثل هذه التصريحات عن جهات تمتلك القرار العسكري،
فإنها لا تبقى في إطار الحرب النفسية أو الرسائل السياسية، بل تتحول إلى مؤشرات مقلقة على قابلية الانزلاق نحو مستويات أعلى من التصعيد.
إن اتساع رقعة المواجهة، وتزايد حدّة الخطاب، يعكسان انتقال الصراع من كونه نزاعًا محدودًا إلى صراع يقترب، في وعي أطرافه، من كونه صراعًا وجوديًا.
وهذا التحول في الإدراك هو من أخطر ما يمكن أن يصيب أي نزاع، لأنه يفتح الباب أمام تبرير خطوات كانت تُعدّ سابقًا خارج حدود المقبول.
وفي موازاة ذلك، يبرز دور الحلفاء والشركاء لكل طرف، حيث لا تبدو أولوياتهم دائمًا متطابقة مع مصالح الشعوب المعنية، بل كثيرًا ما تتجه نحو حسابات النفوذ والمصالح الضيقة.
ومع هيمنة الخطاب الإعلامي الموجّه، تتراجع الشفافية، وتُحجب الكثير من الحقائق المتعلقة بالخسائر الإنسانية والمادية، ما يعقّد فهم الواقع، ويؤخر أي مسار عقلاني نحو التهدئة.
وإذا استمرت هذه الحرب وفق هذا المنحى من القرارات والتصعيد، فإن الخسارة لن تقتصر على طرف دون آخر، بل ستمتد لتطال البنى التحتية والخدمية في مساحات واسعة من المنطقة، بما يهدد مقومات الحياة اليومية لملايين الناس.
ومع تآكل هذه البنى، تدخل الدول في مراحل إنهاك عميق قد تُضعف مؤسساتها، وتُربك استقرارها الداخلي، ما يفتح الباب أمام تحولات سياسية كبرى، قد تصل في بعض الحالات إلى تغيرات جذرية في شكل الأنظمة أو طبيعة الدولة نفسها.
وفي خضم ذلك، يبرز عامل لا يقل أهمية، وهو تراجع قدرة القوى الخارجية على ضبط إيقاع المنطقة أو التحكم بمساراتها كما في السابق.
فكلما طال أمد الصراع، وازدادت كلفته على المجتمعات، ارتفع منسوب الوعي الشعبي، وازدادت قابلية الشعوب لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول السيادة والقرار والاستقلال.
غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من إمكانات، لا يتحقق تلقائيًا، بل يحتاج إلى نضج في الرؤية، وتغليب منطق البناء على منطق الهدم، حتى لا تتحول لحظة الانهيار إلى فوضى مفتوحة بدل أن تكون بداية لمرحلة أكثر توازنًا وعدالة.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في وقف التصعيد، بل في كسر الحلقة المغلقة التي تربط بين الخطاب المتشدد، واتساع المواجهة، وتضارب المصالح الدولية، والانتقال نحو وعي جديد يعيد الاعتبار للإنسان، ويضع أسسًا لشرقٍ أكثر استقرارًا وكرامة.
صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.


















Discussion about this post